: آخر تحديث

مخاطرٌ جمّة على لبنان في الأيام القادمة

4
3
3

يشهد لبنان مرحلة شديدة الحساسية بعد مرور أكثر من شهر على دخول حزب الله في الحرب ضد إسرائيل، وتنذر بانزلاقه نحو خطر أكبر، مع تزايد الانخراط في أجواء الحرب الإقليمية التي تلقي بثقلها على الداخل اللبناني الهش أصلًا. فالأيام والأسابيع المقبلة تبدو مفتوحة على احتمالات صعبة، في ظل تداخل العوامل الأمنية والسياسية والاقتصادية، ما يضع البلاد أمام اختبار مصيري جديد.

التطورات المتسارعة في المنطقة، والتدخل في معركة الإسناد الجديدة إلى جانب إيران، أوقعت لبنان في قلب كرة النار الملتهبة، وجعلت الأمور معرضة للتصعيد أكثر، سواء عبر توسع رقعة المواجهات مع تقدم الجيش الإسرائيلي في مناطق الجنوب، أو انتقال التوترات إلى الداخل. هذا الواقع يفرض حالة ترقب وقلق لدى اللبنانيين، الذين يواجهون شبح تكرار سيناريوهات سابقة من عدم الاستقرار، لكن هذه المرة في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية أكثر هشاشة.

بالتوازي مع التهديدات الأمنية، تتكاثر المخاطر الداخلية. فمؤسسات الدولة تعاني من ضعف واضح في القدرة على إدارة الأزمات، وجاء الانخراط في الحرب لينزع الثقة الدولية عن الحكومة اللبنانية التي تحدثت كثيرًا في الشهور السابقة عن امتلاكها حصرية قرار الحرب والسلم، قبل أن يتبين عكس ذلك، وقد أدى هذا المشهد إلى تردد الجهات الدولية في تقديم المساعدة، ولو الكلامية، المطالبة بوقف إطلاق النار، مع غياب واضح للحراك الدبلوماسي الذي ساهم في المرات السابقة بإيجاد ثقل دولي لفرض وقف الحرب.

وبعد أكثر من أربع أسابيع على انطلاق جولة الحرب المتجددة، لا زالت البلاد تشهد موجات نزوح متزايدة، لا سيما من المناطق الجنوبية والبقاع، باتجاه مناطق أكثر أمانًا نسبيًا، خصوصًا جبل لبنان. هذا النزوح يفرض ضغطًا كبيرًا على البنية التحتية والخدمات، ويزيد من التوترات الاجتماعية في المناطق المستقبِلة، في ظل محدودية الموارد. فالنازحون الذين دفع معظمهم كل ما يملك من أموال لتأمين شقق تأويهم وعائلاتهم، سيجدون أنفسهم بعد أشهر من دون مدخرات تساعدهم على تحمل كلفة الإيجارات الباهظة، وتأمين احتياجات عائلاتهم، ويطرح هذا الواقع تساؤلات جدية حول قدرة النازحين حتى على تأمين أبسط القضايا، وعلى رأسها دفع الإيجارات.

كما تزداد المخاوف من استهداف أو تعطيل المعابر البرية التي تربط لبنان بسوريا، وهي شريان أساسي لحركة البضائع والمواد الغذائية. أي خلل في هذه المعابر قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة المعيشية، ويهدد الأمن الغذائي في البلاد، وبالأصل تشهد الأسواق اللبنانية ارتفاعًا جنونيًا في أسعار المواد الأساسية، نتيجة القلق من انقطاع الإمدادات واستمرار الحرب. ويخشى المواطنون من سيناريوهات نقص حاد في السلع، ما دفع ويدفع البعض إلى التخزين، الأمر الذي يزيد من حدة الأزمة.

وتأتي الاستهدافات الإسرائيلية لعناصر حزب الله في المدن والبلدات التي لجأ إليها النازحون، ولا تُعَدّ في الأصل بخانة المناطق المؤيدة للحزب، لتصب الزيت على النار أكثر، حيث تجعل الأمور تنحو أكثر باتجاه تصعيد داخلي نتيجة تحميل سكان هذه البلدات مسؤولية عمليات القصف التي تستهدف مناطقهم للنازحين، على خلفية تأييدهم للحزب أو قدومهم من مناطق تُعَدّ مراكز أساسية له، وحتى لو لم يكونوا من مؤيديه.

إلى جانب كل ما سبق، تتصاعد المخاوف من تطورات عسكرية محتملة على الحدود الشرقية والشمالية، مع حديث عن احتمال تقدم قوات من الداخل السوري نحو مناطق شرق لبنان. مثل هذا السيناريو، إن تحقق، قد يفتح جبهة جديدة ويزيد من تعقيد المشهد الأمني، وبلا شك فإن النظام السوري نفسه أصبح في الأيام الأخيرة يرزح تحت ضغوط كبيرة، فالإعلام الإسرائيلي وجه اتهامات لمسؤوليه بالتورط في عمليات تهريب أسلحة لحزب الله، ثم جاء التهديد الإسرائيلي بقصف معبر المصنع، الذي يُعَدّ أهم مركز حدودي بين لبنان وسوريا، ليرفع مستوى الضغط أكثر، مع كلام عن توسط سوري لدى دول عديدة لمنع الاستهداف. هذه الضغوط المتصاعدة قد تحتم على نظام دمشق التدخل العسكري في مناطق معينة، خصوصًا شرق لبنان، وإرسال رسائل للدول الإقليمية والغربية أن سوريا الجديدة جادة في منع عمليات تهريب السلاح إلى حزب الله كما كان الوضع في عهد بشار الأسد. هذا التدخل، وإن حصل، يريح إسرائيل كثيرًا، فعمليات إطلاق الصواريخ بعيدة المدى نسبيًا تجري من مناطق بقاعية، وبالتالي سيخلط التدخل السوري الأوراق ويجعل حزب الله يفكر في مواجهة قوات الشرع، الأمر الذي سيفسح المجال أمام الجيش الإسرائيلي لترتيب أوراقه بهدوء في الجنوب اللبناني، وبعض المناطق البقاعية، ولا يُستبعد أن يؤدي التدخل السوري إلى تدخل من جانب الحشد الشعبي إلى المناطق الشرقية في سوريا.

في الخلاصة، يقف لبنان اليوم عند مفترق طرق بالغ الخطورة، حيث تتقاطع التحديات الأمنية مع الانهيار الاقتصادي والسياسي. وفي غياب حلول سريعة وفعالة، تبدو البلاد مهددة بالدخول في مرحلة أكثر اضطرابًا، قد تكون تداعياتها طويلة الأمد على مختلف المستويات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.