الوقت الممنوح لإيران لكي تفكِّر في النقاط الأميركية التي اندلعت الحرب من أجلها لا بأس به، حتى تراجع ذاتها، وتلملم جراحها، وتعيد تنظيم صفوفها، وتحصِّن المواقع التي سلِمت من الهجمات، وتهيئ ذاتها لموجة جديدة من الهجمات المحتملة، عبر النظر إلى ما تبقى من إمكانياتها العسكرية، ومعاينة المتبقي من الذخيرة في المستودعات، ومعرفة مجمل قدراتها الدفاعية والهجومية، والتأكد كذلك الأمر من مدى التزام حلفائها معها، إذا ما فشلت الهدنة بين الطرفين واستأنف ترامب هجومه عليها.
أما بالنسبة إلى حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة فإنهم قيد التصوُّر بأن ترامب، إن كان حقًّا ينوي عقد اتفاق سلام دائم مع إيران وفق الأهداف الأميركية، هذا إذا ما افترضنا بأن واشنطن تجاهلت موضوع إسقاط النظام السياسي في تلك الدولة، وكذلك الأمر صرفت نظرها عن السعي إلى تقسيم البلاد، واكتفت بما دمّرته من القدرة العسكرية لطهران خلال الفترة الماضية، فعليها إذن خلال الأسبوعين القادمين التنشيط على مسار آخر متصل منفصل، ألا وهو العمل بشكل جاد وسريع على بتر وتحطيم أذرع إيران في المنطقة، وعلى وجه الخصوص في العراق، باعتبار أن أدواتها هناك من أخطر المخالب الإيرانية في المنطقة، بما أن الميليشيات التابعة لها في العراق هي بمثابة الوجه الآخر لتنظيم داعش، مع أن طهران حسبت هذا الحساب سلفًا، لذا جاء من بين نقاطها العشرة، نقطة تتعلق بوقف الضربات الإسرائيلية لمواقع حليفها حزب الله في لبنان. والنقطة الأخرى تتعلق بإنهاء القتال الإقليمي ضد حلفاء إيران.
علمًا أن القضاء على أذرع إيران في الشرق الأوسط خلال الأسبوعين القادمين لا يفيد القواعد الأميركية في تلك الدول وحدها، ولا يعود بالفائدة إلى حلفاء واشنطن فحسب، إنما من شأنه أن يكون وسيلة ضغط حقيقية على إيران نفسها لكي تستمر في الرضوخ، وبالتالي تنفّذ الشروط الأميركية، لأنه إن استمرت أذرع إيران باستهداف القواعد الأميركية في الشرق الأوسط، واستطاعت أدواتها خلخلة أمن دول المنطقة وتهديد شعوبها، فمن شأن ذلك أن يجعل إيران نفسها تكابر ومن ثم تماطل، أو تتملص من الهدنة برمتها إذا ما رأت بأن أذرعها قادرة على إلحاق الأذى بأميركا وكل حلفائها في المنطقة, خصوصًا إذا ما استشفت إيران إبان فترة الهدنة بأن موافقة ترامب على وقف الحرب لم تكن بدافع رغبته بالسلام، ولا لأن ضميره استيقظ فجأةً وبات يفكر بالضحايا، ولا لأنه شعر بالاكتفاء لأنه استطاع تدمير كل الترسانة العسكرية الإيرانية، ولا لأنه بات متيقنًا بأنه ألحق الخسائر المادية بجميع القطاعات العسكرية وحتى المدنية في إيران، إنما الضغوط التي تُمَارس عليه في واشنطن نتيجة التكاليف الباهظة للحرب هي من جعلت واشنطن تصغي إلى الوساطة الباكستانية التي قدمت لها النقاط العشرة المقترحة من إيران، ومن ثم تصوُّر إيران بأنها إن قاومت لفترة قادمة ولم تستسلم للشروط الأميركية، فمن الممكن أن يتراجع ترامب ويقلل من شروطه التعجيزية المفروضة على إيران، وبالتالي قبوله على مضض بالنقاط الإيرانية العشرة كلما ارتفعت تكاليف الهجمات وعلت الأصوات المعترضة على استمرار الحرب في واشنطن.
في الأخير، يبقى أن ما يهدِّد مصير الهدنة التي قد لا تتحول إلى اتفاق دائم في قادم الأيام، هو أن النقاط العشرة في اقتراح إيران التي وصف ترامب بأنها "أساس قابل للتفاوض" لا تتضمن أصلاً النقاط الأميركية الرئيسية التي شُنَّت من أجلها الحرب على إيران، ألا وهي: تعطيل برنامج إيران النووي، ومنعها من تخصيب اليورانيوم، وتفكيك منظومة إيران من الصواريخ الباليستية بعيدة المدى ووقف إنتاجها، هذا عدا عن رغبة ترامب بوضع اليد على اليورانيوم المخصب، وكذلك الأمر الاستحواذ على المعادن الثمينة في إيران.


