من يحاول فهم أقنعة ومواقف حركة حماس الفلسطينية، أو إحصاءها، يجد نفسه أمام تعقيدات ذهنية عميقة، فهي ليست قناعًا واحدًا ولا خطابًا ثابتًا، بل منظومة من المواقف والبيانات المتلونة، تتعدد أشكالها ونصوصها، لكنها تتفق في جوهر واحد: بريق الخداع وإنكار الواقع.
بلغة حمساوية مشحونة بالدين والنضال، صدر بيان الحركة الذي نعت فيه "شهداء" إيران، ومن بينهم خامنئي، الذي قُتل في وطنه وبين شعبه في زمن الحرب، ولم يكن حاملًا لراية الجهاد ولا منخرطًا في فعل مقاومة.
لم يكن مستغربًا استدعاء الذاكرة لموقف حماس أثناء الغزو العراقي للكويت، حتى بعد مرور أكثر من خمسة وثلاثين عامًا، ومقارنته بموقفها من العدوان الإيراني على دول الخليج.
فالموقف الأول اتسم بالنكران والخذلان، أما الثاني، فلم يكتف بتكرار المشهد، بل تجاوزه إلى شراكة سياسية ومعنوية في العدوان الإيراني.
المشهد الحمساوي، بوصفه تعبيرًا عن حركة فلسطينية إسلامية مسلحة، نجح إلى حد ما في التأثير على الرأي العام في الكويت، وتوجيهه نحو إعادة تقييم دور الحركة وسياساتها منذ عملية "الأقصى" وما تلاها.
غير أن قراءة مواقف حماس لا يمكن أن تتم بمعزل عن حالة الارتباك المعرفي التي تصيب المتابع، في ظل تضارب المعلومات وتعدد الروايات، حتى في مصادر موسوعية مثل "ويكيبيديا"، التي تعكس بدورها هذا التشظي في تقديم صورة موحدة للحركة.
هذا التناقض البنيوي في خطاب حماس وسلوكها السياسي جعلها، عمليًا، تخلع القناع قبل الأخير بعد العدوان الإيراني على دول الخليج، في ظل ما برز من تقاطعات وشراكات مع إيران، لا تخطئها عين المراقب.
ومع ذلك، فإن التسرع في الجزم بعدد الأقنعة أو نهايتها يُعد خطأً تحليليًا، فحماس، بوصفها امتدادًا للجناح الفلسطيني لتنظيم الإخوان المسلمين، تتحرك ضمن مظلات أوسع، وتنتج باستمرار سرديات دينية ونضالية قابلة لإعادة التدوير، بما يعقد الوصول إلى قراءة نهائية أو حاسمة.
إن الموقف الأخير للحركة يكشف عن عمق الشراكة مع نظام الولي الفقيه في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لكنه، في الوقت ذاته، لا يمثل القناع الأخير، فترسانة الخطاب الديني والسياسي لدى حماس لا تزال قادرة على إنتاج مزيد من التبريرات، والتحولات، والحجج، والذرائع.
التطور الأكثر إثارة للقلق لا يقتصر على خطاب حماس، بل يمتد إلى التحول التدريجي في مواقف جماعة الإخوان المسلمين في الكويت، ممثلة في الحركة الدستورية، ومحاولات إعادة التموضع عبر خطاب استنكار محسوب، دون حسم واضح لمسألة فك الارتباط مع تنظيم الإخوان الفلسطيني.
غير أن مكمن الخطورة لا يكمن في الخطاب وحده، بل في الأبعاد الاستراتيجية، قريبها وبعيدها، لهذه التحولات، في سياق إقليمي يتسم بالسيولة والتشابك.
في ظل هذه المعطيات، تظل تطورات العدوان الإيراني على دول الخليج باعثة على القلق، ومثيرة لأسئلة جوهرية حول مسار الصراع، والحاجة الملحة إلى رؤية سياسية واضحة تحول دون الانزلاق إلى صراعات أعمق.
فالنزاعات المحتملة لا تقتصر على جغرافيا واحدة، بل قد تتغذى من أذرع إيرانية في العراق واليمن ولبنان، وربما من أنماط جديدة من الشراكات السياسية، من بينها التقاطع المتنامي مع حركة حماس.
هل يجوز انتظار تشكل موقف ورأي عام كويتي واضح تجاه الدورين الاجتماعي والسياسي للتيارات الدينية في الكويت والمنطقة العربية؟
كل الاحتمالات قائمة، لكن هذا السؤال لم يعد يحتمل التأجيل أو الغموض، ولا يقبل التخمين أو التكهن، بل يفرض إجابة صريحة ومسؤولة من أصحاب الشأن، وفي مقدمتهم الحركة الدستورية، جماعة الإخوان المسلمين في الكويت.

