: آخر تحديث

حين تُعلن الهدنة… وتبدأ اللعبة

4
4
4

 

لم يعد مشهد الهدنة في منطقتنا كما كان يُفهَم، إعلانًا يعقبه هدوء، ثم استقرار.

اليوم، تُعلَن الهدن، لكن النيران لا تنطفئ، بل يُعاد توزيعها، وتُفتح قنوات التفاوض، لكن الأزمات لا تنتهي، بل يُعاد تدويرها.

ما نراه ليس نهاية توتر، بل إدارة دقيقة له. وما يُقدَّم على أنه انفراج، ليس إلا فصلًا جديدًا في لعبةٍ أطول، هدنةٌ هشة، ومفاوضات تُطبَخ على نارٍ منخفضة، وتلاعبٌ محسوب بالأعصاب.

يُراد منه كسب الوقت، لا صناعة السلام.

في ظاهر المشهد، لغة تهدئة، وفي عمقه، نوايا لم تتبدل، خططٌ مكشوفة، تتكرر بأقنعة مختلفة، لكنها تحمل الهدف ذاته: إرباك الاستقرار، واستنزاف الثقة، وإعادة رسم التوازنات.

والمفارقة: أن بعض القوى لا تزال تراهن على فرضياتٍ قديمة، وتظن أن دول الخليج تُفاجَأ، أو تُخدَع، أو تُدار بردود فعل.

لكن الخليج اليوم، لم يعد يُقرأ من الخارج، بل يقرأ المشهد قبل أن يُكتب.

بوعيٍ يسبق الحدث، وقيادات تدير الموقف بعقلٍ بارد، وشعوب تدرك أن ما يُقال ليس دائمًا ما يُقصَد.

ليست الحكاية "شرق أوسط جديد" كما يُروَّج له، بل محاولات متكررة لصياغة "خليج جديد" وفق مقاسات الآخرين.

غير أن الحقيقة التي تجاوزت الشك: أن الخليج لم يعد ساحةً يُعاد تشكيلها، بل قوةً تُعيد تشكيل موقعها بنفسها.

وكلما ازداد استقراره، وازدهر اقتصاده، وتعزَّز حضوره، تزايدت حوله محاولات الخيانة والتشويش.

وكأن نجاحه أصبح أزمةً لغيره.

إنها المعادلة الأوضح: ازدهار الخليج، خذوها مني، هو ما يربك خصومه.

ومع ذلك، فإن دول الخليج لا تنجرف نحو التصعيد، ولا تُجيد الفوضى، ولا تراهن على التوتر.

بل إنها، بحكمة قياداتها وصبر شعوبها، تختار الوئام، وتفتح أبواب السلام، ولا تُغلق أعينها عمّا يُدار في الخفاء.

وختامًا، في الخليج، نحن لا نبحث عن صراع، ولا نُغري أنفسنا بوهم الانتصارات، لكننا أيضًا لا نُخدَع بهدنةٍ لا تُشبه السلام، ولا نقرأ المشهد بسطحية.

نمد أيدينا للطمأنينة، ونحمي أوطاننا بالوعي، ونؤمن أن السلام خيار الأقوياء.

لكن الحقيقة التي لا تقبل التأويل، تأكد لنا: أن الخليج اليوم يفهم اللعبة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.