: آخر تحديث
من خطاب المظلومية إلى استراتيجية الردع:

قراءة في المأزق الكوردي الراهن

3
4
4

المتاهة السيكو-سياسية:
تبدو القراءة السياسية لدى قطاعات واسعة من الكرد، في كثير من الأحيان، قراءة مثقلة بالعاطفة أكثر مما هي مسندة إلى تقدير واقعي لفهم التوازنات الإقليمية وتفاوت المفاهيم العامة في النظام الدولي، فتصبح السياسة مرآة للانفعال العام بدل أن تكون علمًا في فهم المصالح وتقاطعاتها، وحقلًا مفتوحًا للخطابات التي تجيد استثارة الوجدان أكثر مما تجيد تنظيم الوعي. وحين تدار القضايا الكبرى بعين دامعة لا بعين فاحصة، فإن المواقف تُبنى على الإحساس الآني لا على حساب العواقب، وعلى ما ينبغي أن يكون، لا على ما يمكن أن يكون، فتتكرر الأخطاء نفسها بأسماء مختلفة، وتُعاد المأساة على نحو أشد قسوة، لأن أحدًا لم يتعلم من الدرس إلا بعد أن يدفع ثمنه مرتين: مرة في الميدان، ومرة في الوعي.

ليس المقصود بالطعن في العاطفة بوصفها قيمة إنسانية أو وطنية، فالعاطفة في لحظات الظلم تستحيل شاهدًا أخلاقيًا على الألم، وقد تكون مصدرًا للتماسك والصبر. غير أن تحويل العاطفة إلى معيار وحيد لتحليل الأحداث هو منزلق سياسي خطير، لأن العاطفة تعظم بعض الوقائع وتصغر غيرها، وتسرع الحكم قبل اكتمال الصورة، وتستدرج الناس إلى تبني استنتاجات نهائية من مقدمات ناقصة. لذلك لا يصح أن تُحاكم الوقائع الكبرى بمنطق "النية الحسنة" أو "الاستحقاق الأخلاقي" وحدهما، إذ إن السياسة، كما يعرفها أهلها، ليست ساحة مكافأة للفضيلة بقدر ما هي ميدان لإدارة المصالح المتعارضة، ومن لا يحسن قراءة المصالح يتم دفعه إلى هامش التاريخ ولو كان أكثر الناس عدلًا.

في هذا المناخ بالذات، تنمو خطابات بعض الأحزاب والقوى الكردية، أو ربما العربية، نموًا يمكن نعته بغير الصحي، يكمن في تغذية الحساسية الشعبية الجريحة، وتغذية الحاجة إلى الاستعراض أمام جمهور منهك، فتتحول اللغة السياسية إلى خطاب فج في أحيان، ومتشنج في أحيان أخرى، يتعامل مع الجماهير بوصفها مادة للتهييج لا شركاء في صناعة القرار. والأنكى أن بعض القيادات تتفنن في إلباس الاندفاع لباس الشجاعة، والانفعال لباس الوطنية، والمقامرة لباس التضحية، فتصاغ المواقف كأنها قدر لا خيار فيه، بينما هي في الحقيقة اختيارات يمكن مراجعتها، وتقديرات يمكن تصويبها، ومسارات يمكن تبديلها قبل أن تبتلعها طاحونة الواقع.

سردية البطولة: حين تنكشف الهشاشة أمام الواقع
تمثّل أحداث "حلب" (الشيخ مقصود والأشرفية) مختبرًا فلسفيًا لفهم هذا التداخل الفادح بين العاطفة والسياسة، وعلى قدرة الوقائع القاسية على فضح هشاشة التحليل حين يغلب عليه الانفعال. فحلب ليست مكانًا عابرًا في ذاكرة الكرد، إنها جرح قديم لم يندمل، مدينة ذاقت من العنف ما يكفي ليدرك الناس فيها أن الحرب ليست ملحمة، وأن البطولة لا تكفي وحدها لصناعة النجاة. شهدت المدينة جرائم داعش وإرهابه بحق المدنيين، وكانت تلك الجرائم فاجعة ضد الإنسانية وضد الشعب الكردي وغيره من مكونات المنطقة، وكأنها إعلان صريح أن هذا الشرق قادر على إنتاج وحشية لا حدود لها.

غير أن ما يهم هنا ليس استعادة تفاصيل الرعب بقدر ما يهم إدراك العبرة السياسية، ففي زمن داعش كانت الصورة الدولية، في لحظات محددة، تميل إلى التعاطف مع الكرد بوصفهم قوة تقاتل عدوًا معلنًا للعالم كله، فالتقت المصلحة الدولية مع حاجات الميدان، وظهرت الشرعية الدولية كغطاء يسهل دعمًا ما، أو يتيح مساحة حركة. لكن السياسة لا تعرف دوام الحال. ما كان ممكنًا بالأمس قد يصير عبئًا اليوم، وما كان يمثل قوة على الأرض قد يتحول إلى ورقة قابلة للتجاذب بين اللاعبين الكبار. وفي اللحظة التي تتبدل فيها خارطة الأولويات الدولية، يجد الفاعل المحلي نفسه مكشوفًا إن لم يكن قد بنى شبكة ضمانات سياسية تتجاوز ظرف المعركة. إن التحرك العالمي غير مبني عادة بدافع التعاطف مع الشعوب المقهورة، بل وفق حسابات تتقدم فيها "شرعية الدولة"، وقد تتقدم فيها مصلحة إدارة الفوضى أو ضبطها. وما يسمى الشرعية الدولية ليس دائمًا عنوانًا للأخلاق، بل قد يصبح غطاء لإعادة ترتيب النفوذ، وإعادة تدوير قوى كانت تدان أمس لتستعمل اليوم، أو لتمنح مساحة حضور سياسي بذرائع متبدلة.

التحديث الجيوسياسي: الكرد في مهب الحرب الإسرائيلية-الإيرانية
لا يمكن قراءة أنطولوجيا العقل الكوردي اليوم بمعزل عن الانفجار الكبير في الشرق الأوسط: المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران. هذا الحدث ليس مجرد صدام عسكري، بل هو زلزال جيوسياسي يعيد تعريف التوازنات الإقليمية وتمزيق الخرائط القديمة. إن انخراط إيران وإسرائيل في حرب مفتوحة يعني أن الساحة السورية، بما فيها المناطق الكردية، أصبحت "Tinderbox" (صندوقًا قابلًا للانفجار في أي وقت). هنا، لم يعد هناك مجال للحياد العاطفي أو للانتظار السلبي.

إسرائيل التي ورطت الولايات المتحدة الأميركية في حرب لمصالحها لم تُعر اهتمامًا للشرعية الدولية ولا للقوانين، بل استخدمت مفهوم الشرعية في أمور لا شرعية لها. وهذا يقودنا إلى تسليط الضوء على آليات "التلاعب بالمفاهيم" في الفلسفة السياسية المعاصرة، وكيف تتحول المظلومية الكردية إلى ساحة لتصفية الحسابات تحت غطاء "الشرعية": حق يُراد به باطل.

توظيف الشرعية كأداة للهيمنة: المنظور الأميركي
فلسفيًا، تعيد الولايات المتحدة إنتاج مفهوم "الشرعية الإجرائية" لتبرير أفعال تقع خارج إطار القانون الدولي التقليدي. في الصراع مع إيران، يستخدم مفهوم "الدفاع عن النفس الاستباقي" أو "حماية السلم الدولي" كذريعة لإضفاء الشرعية على هجمات قد تفتقر للغطاء الأممي. هنا، نجد إزاحة معرفية للمفهوم: تصبح الشرعية ليس ما يقرره القانون، بل ما تمليه القوة المتفوقة لفرض واقع جديد. إن "الشرعية الدولية" التي يراهن عليها الكرد أحيانًا، هي خامة مرنة تتشكل بحسب مصالح القوى العظمى، وليست مسطرة أخلاقية ثابتة.

بروباغندا الذريعة وازدواجية الخطاب، الموقف العراقي-الإيراني
1. تزييف الهدف: يتم تصوير الهجمات، التي تجاوزت 700 هجمة صاروخية، على أنها استهداف "للقواعد الأميركية"، بينما هي في الجوهر استهداف للبنية التحتية والاستقرار الكوردي. الفلسفة الكامنة هنا هي "تأديب الجغرافيا"، حيث يُراد تحويل كوردستان من فاعل سياسي مستقر إلى ساحة بريد دامية.

2. استخدام الميليشيات كـ "وهم قانوني": توظيف الميليشيات يمنح الدولة، سواء العراقية أو الإيرانية، قدرة على "الإنكار المعقول" (Plausible Deniability). فلسفيًا، هذا يكسر مفهوم سيادة الدولة التي تدعيها هذه القوى، فهي تستخدم سيادة الدولة لقمع الكرد، وتتجاوز السيادة نفسها عبر الميليشيات لضربهم.

سيميولوجيا الـ 700 هجمة: الرسالة المشفرة
إن الرقم 700 هو رقم تقريبي لعدد الهجمات الإيرانية-العراقية على إقليم كوردستان منذ أن بدأت الحرب بين إسرائيل وإيران في 28 شباط (فبراير) 2026. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء عسكري، بل هو "خطاب ترهيب سوسيولوجي" يهدف إلى:

تحطيم الأمن الوجودي للإنسان الكوردي: إيصال رسالة مفادها أن "بيتكم ليس حصينًا".

خنق النموذج: ضرب المدنيين والقصبات يهدف إلى إحراج السلطة الكوردية أمام شعبها، وإظهارها بمظهر العاجز عن الحماية، مما يغذي حالة "الانفعال العام".

إن العالم المحيط بالكرد يتحرك بـ "واقعية متوحشة". فبينما ينشغل العقل الكوردي بإثبات شرعية حقوقه، تستخدم القوى الأخرى "الشرعية" كقناع لممارسات لا شرعية. إن تعرض مدن الإقليم لهذا الكم الهائل من القصف، يثبت أن العدالة الأخلاقية لا تحمي المدنيين من الصواريخ السياسية. هذا يتطلب تحولًا من خطاب المظلومية إلى استراتيجية الردع السياسي وبناء شبكة مصالح تجعل من استهداف كوردستان كلفة لا تتحملها القوى الإقليمية، وليس مجرد خطيئة أخلاقية يندد بها المجتمع الدولي.

على القيادات الكوردية إدراك الموضوع بأبعاد أخرى، لأن الخصوم لا يحاربونك لأنك "مخطئ"، بل لأنك موجود كنموذج ناجح يهدد خرائطهم. هذه الرؤية بعقل بارد تدعو إلى تفكيك الذرائع وتحويل "الطعنة" إلى "درع" عبر تدويل هذه الانتهاكات بلغة المصالح لا بلغة الدموع والتباكي.

المسؤولية التاريخية والأفق السياسي
الهزيمة في موقع حساس لا تعني خسارة رقعة جغرافية فحسب، بل تعني خسارة رأس مال بشري ومعنوي، وإضعاف القدرة على الدفاع في جولات لاحقة. ومن هنا يبرز سؤال كالعلقم بمرارته: كم مرة يمكن للشعب أن يدفع من دمه لكي يثبت حقه؟ إذا كانت السياسة التي تدير معاركه لا تحول التضحيات إلى ضمانات، ولا تترجم الصمود إلى تفاوض، ولا تحول القضية إلى ورقة حماية لا إلى ورقة استنزاف، فهناك خلل وجودي في عقلية هذه القيادات، وسوف تواجه مسؤولية تاريخية أخلاقية لا ينفع تبرير فيها.

لذلك كنت دائمًا من الداعين إلى مراجعة استراتيجية القوى الكردية في روژئاڤا، كوردستان سوريا، وفي باشور، كوردستان العراق، وإلى قراءة أكثر حداثة للبيئة الدولية والإقليمية. ليس المقصود التنازل عن الحقوق، بل المقصود إعادة تعريف أدوات الدفاع عنها. فالدفاع لا يكون بالسلاح وحده، بل ببناء شبكة علاقات سياسية، وبالقدرة على تحويل التحالفات إلى عقود مصالح لا إلى صداقات مؤقتة، وبفهم خطوط القوى الكبرى: أين تلتقي معك؟ وأين تفترق؟ وما الذي يمكن انتزاعه منها بصفقات واضحة؟ وما الذي لا يمكن التعويل عليه مهما بدا مطمئنًا؟

شرارة الانبعاث الفكري
الحقيقة التي يكررها تاريخ الأقليات والقوميات في المنطقة هي أن الاستنزاف الطويل، حين لا ينتج أفقًا سياسيًا، يتحول إلى نمط حياة، يصبح الناس أسرى "التعبئة الدائمة" و"الخطر الدائم"، بينما تتبدل خرائط العالم من فوق رؤوسهم، لذلك أؤكد على فكرة مفادها أن الكرد، بما عرفوا به من صلابة وبسالة، ينبغي أن يكونوا الآن أكثر قدرة على ترجمة ما يحققونه في الميدان إلى مكاسب سياسية وبسرعة. فالتأخير هنا ليس مجرد خطأ إداري، إنه ثغرة قاتلة تسمح للآخرين بإعادة تفسير ما حدث، وبالانقضاض على النتائج، وبإعادة تركيب المشهد بطريقة تجعل تضحيات الأمس مادة في خطاب اليوم لا رصيدًا في قرار الغد.

على القيادات الكوردية إعادة السياسة إلى معناها الأول: فن الممكنات، أو "من سيأخذ ماذا"، لا مسرحًا للعاطفة، إدارة المصالح القومية، لا نشيدًا للانفعال، تقدير النتائج قبل رفع الشعارات، لا بعد سقوط الضحايا. وفي هذا المعنى، لا يطلب من الكرد أن يتخلوا عن إحساسهم بالظلم، بل يطلب منهم أن يحولوا هذا الإحساس إلى وعي سياسي، وأن يضبطوا اندفاعهم بمعرفة أوسع بالعالم الذي يعيشون فيه، فالعالم لا يتغير بالنوح على العدالة المفقودة، بل بتعلم قوانينه القاسية، ثم العمل على تفكيكها تدريجيًا بما هو متاح من أدوات وسط المآسي المتكررة، قد تكون الخطوة الأكثر شجاعة هي أن يقال للقيادات الكوردية: ليست المشكلة في أنكم تحبون قضيتكم، بل في أنكم لا تصونونها بما يكفي من عقل راجح يقيها من مغامرات قد تبدو مجيدة في لحظتها، لكنها تترك وراءها تاريخًا طويلًا من الويلات التي كان من الممكن تقليلها لو قرئت السياسة كما هي، لا كما نتمنى لها أن تكون.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.