في الغابات، حين تنقسم جماعة الشمبانزي، لا تبدأ الحرب بشعار، بل بقلق، ونظرات حذرة، وتحالفات صغيرة، ثم فجأة يتحول الصمت إلى هجوم، لا أحد يعلن البداية، لكن الجميع يدرك أن النهاية بدأت.
هذا السلوك ليس قصة عن الحيوان فقط، بل نموذج متكرر حين تفقد الجماعات تماسكها الداخلي. وحين نُسقط هذا المشهد على الواقع، تتضح الصورة بشكل أكثر حدة.
داخل بنية الحوثيين، لم يعد المشهد كتلة واحدة كما كان يُصوَّر، هناك تعدد في مراكز التأثير، وتباين في إدارة القرار، وتنافس ضمني بين أجنحة مختلفة، لكل منها حساباته وأولوياته.
في هذا السياق، يبرز اسما مهدي المشاط ومحمد علي الحوثي كجزء من مشهد أوسع، يعكس تعقيد توزيع القوة داخل الجماعة.
الأمر لا يتعلق فقط بمناصب رسمية، بل بنفوذ فعلي يتقاطع فيه السياسي بالعسكري، والإعلامي بالأمني.
الاختلافات داخل الكيانات المغلقة ليست استثناء، لكنها تصبح خطيرة حين تتحول إلى صراع نفوذ غير معلن. في هذه المرحلة، لا يكون التحدي هو إدارة الخارج، بل السيطرة على الداخل.
وحين يتقدم الداخل على الخارج، تتغير قواعد اللعبة. القرارات لم تعد مركزية بالكامل، والمعلومات لم تعد محصورة في دائرة ضيقة، والتنسيق لم يعد كما كان. هذه التحولات، حتى وإن بدت غير ظاهرة للعلن، تخلق بيئة قابلة للانكشاف.
في العمل الاستخباراتي، لا تُبنى الفرص فقط على الاختراق، بل على قراءة السلوك. وحين تظهر التباينات داخل أي كيان، يصبح سلوكه أكثر قابلية للتوقع، وأكثر عرضة للأخطاء.
ليس من الضروري وجود (تسريب مباشر)، بقدر ما أن التناقضات نفسها تصبح مصدرًا ذهبيًا للمعلومة. كل قرار غير متناسق، كل تحرك غير منسجم، كل فجوة في التوقيت، هي إشارات يمكن قراءتها واستثمارها.
ما يحدث في مثل هذه الحالات هو تحول تدريجي من (التحكم) إلى (رد الفعل).
الجماعة التي كانت تُبادر، تبدأ بالارتباك. الهيكل الذي كان يبدو صلبًا، تظهر فيه تشققات.
والتماسك الذي كان يُستخدم كأداة قوة، يتحول إلى نقطة ضعف.
التاريخ يؤكد أن الكيانات المسلحة لا تسقط غالبًا بضربة واحدة، بل نتيجة تراكمات داخلية.
الانقسام لا يهزمها فورًا، لكنه يجعلها أكثر عرضة لكل ضربة لاحقة.
وهنا تتغير المعادلة: لم يعد السؤال من يهاجم، بل من أصبح مكشوفًا.
في هذا الإطار، فإن قراءة المشهد داخل الحوثيين لا يجب أن تقتصر على المواجهة مع الخارج، بل على طبيعة التفاعلات الداخلية، وكيف تؤثر على القرار، وعلى القدرة على الصمود، وعلى مستوى الانضباط.
فأي خلل في هذه العناصر لا يمر دون تكلفة.
الدرس واضح: الكيانات التي تدير خلافاتها تبقى، والكيانات التي تتحول خلافاتها إلى صراع نفوذ، تبدأ مرحلة التآكل. وفي لحظة معينة، لا تحتاج إلى من يهزمها، هي فقط تحتاج إلى أن تستمر في الانقسام.
في النهاية، لا تبدأ الهزيمة حين تتساقط الضربات، بل حين يفقد الكيان القدرة على حماية نفسه من الداخل، وهذه، دائمًا، هي البداية الحقيقية للنهاية.
في طبقات المشهد غير المرئية، لا يُدار هذا الخلاف كصراع شعارات، بل كصراع بيانات ونفوذ صامت. المؤشرات توحي بأن كل جناح بات يبني شبكته الخاصة داخل مفاصل القرار، من الأمن إلى الاقتصاد إلى الإعلام. ما يُخفى أخطر مما يُعلن؛ إعادة تموضع، واختبار ولاءات، ورصد دقيق لتحركات الداخل قبل الخارج. المرحلة المقبلة لن تكون مواجهة مفتوحة، بل تفكيكًا تدريجيًا للأطراف الأضعف عبر العزل والإضعاف ثم الاستبدال. الأخطر أن أي خلل في هذا التوازن سيُنتج انكشافًا نوعيًّا، حيث تتحول المعرفة الداخلية إلى ثغرة استراتيجية. وعندها، لا تسقط الجماعات بالضربات، بل بسوء إدارة أسرارها.

