: آخر تحديث

قادة دول الخليج... حكماؤه وأسواره الحصينة

5
4
4

في جمادى الأولى 1408هـ، الموافق كانون الأول (ديسمبر) 1987، استضافت العاصمة السعودية الرياض أعمال الدورة الثامنة للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وكانت القمة الخليجية الثانية التي تستضيفها المملكة، والأولى في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، وكان من ضمن البرنامج الذي أعدّته وزارة الإعلام السعودية للاحتفاء بأصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس، ضيوف خادم الحرمين الشريفين، أوبريت "رواية حكماء الخليج العربي" الذي صاغ كلماته الشاعر والأديب السعودي الكبير سعود سالم، ووضع ألحانه الموسيقار السعودي الكبير المرحوم محمد شفيق، وأدّاه فنان العرب محمد عبده، فكانت الأبيات تنساب عذبةً على ظهر سفينة تجوب دول الخليج وتتغنى بكل دولة، حتى تحط السفينة رحالها في السعودية، فكان عملاً فنيًا مميزًا يتذكره كل من عاصر تلك الفترة.

طرأ على بالي عنوان هذا الأوبريت وأنا أرى كيف تعامل أصحاب الجلالة والسمو قادة دول الخليج، حفظهم الله ورعاهم، مع الحرب العبثية التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة على الجمهورية الإيرانية صباح الثامن والعشرين من شباط (فبراير) الماضي، وما نتج عنها من تداعيات خطيرة عرّضت سلامة وأمن دول الخليج للخطر في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بل على العكس، كانت دول مجلس التعاون مجتمعة ومتفرقة تنادي عبر اللقاءات الثنائية والجماعية والمؤتمرات والمحادثات بالحلول الدبلوماسية وتغليب لغة العقل والحكمة ونزع فتيل الأزمة حتى قبل اندلاع الحرب بساعات، وهو موقف كان يجب على الإيرانيين أن ينظروا إليه بعين التقدير والاحترام، وليس بتوجيه المسيّرات والصواريخ إلى الخليج بكمية أكثر حتى من التي وجهت للدولة المعتدية عليهم، وهي إسرائيل. في الحقيقة، أقل ما يمكن قوله حيال هذا التصرف، بأنه تصرف حقير لا تقوم به دولة محترمة، بالرغم من أنه من الثابت منذ عقود بأن النظام الإيراني تقوم فلسفته على فكر المليشيا المسلحة المتطرفة التي تضرب بعرض الحائط كل المواثيق والمعاهدات الدولية، وأن وهم جعلها دولة معتدلة قد تحطّم إلى الأبد برأيي الشخصي في الشهرين الماضيين، وبالرغم من كل الاستفزازات الإيرانية، إلا أن دول الخليج آثرت الاكتفاء باتخاذ التدابير الدفاعية التي أثبتت نجاعتها مع الأيام في مواجهة العدوان الإيراني الإرهابي، وهو ما فوّت الفرصة أيضًا على الإيرانيين والإسرائيليين على حد سواء لكي ينجرف الخليجيون للحرب التي فُرضت على المنطقة، فبقيت، ولله الحمد، دول مجلس التعاون آمنة مطمئنة، لم يتغير فيها شيء من روتين رعاياها من مواطنين ومقيمين، ولم يتم تعليق الدراسة أو العمل، وبدت الأمور طبيعية باستثناء بعض وسائل النقل، منها النقل الجوي، وتعثر بسيط لبعض سلاسل الإمداد، وتمت معالجته سريعًا، ما عدا ذلك عبر أهل الخليج حتى هذه اللحظة، وقت وقف إطلاق النار، إلى برّ الأمان بفضل الله الواحد الأحد، ثم بفضل العقول المستنيرة، والحكّام الخيّرين الذين تحملوا أمانة عظيمة وهي سلامة الأرض وقاطنيها، فكانوا الأقوياء الأمناء.

إن مثل هذه الأحداث العظام تعطينا الدروس الكبيرة، وأحد أسرار شرعية الأنظمة الملكية التي ترعى مصالح شعبها ولا تتخذهم أداة مقامرة، كما في بعض الأنظمة العالمية والعربية، فخلال وقت الحرب لم يخطب ملك أو أمير دولة خليجية خطبة رنّانة أو يسوق العبارات النارية، لأن بطولات أثير الإذاعات قد ولّى زمانها، وثبت إفلاسها، ولم تبق سوى ذكراها المخزية وهزائمها المدويّة، لقد استثمر قادة الخليج في شعوبهم، فجنوا الثمار يانعة، وبقيت أنظمتهم راسخة رسوخ الجبال الرواسي. أدام الله دول مجلس التعاون ترفل بالخير، وتنام آمنة، وتستيقظ آمنة، وتستمر في ملاحم التطور والتنمية والرفاه لمواطنيها ولكل من يقيم على أراضيها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.