في السياسة، ليست كل اللحظات متساوية. بعضُها يمرّ عابرًا، وبعضُها يفرض نفسه كنقطة تحوّل لا تقبل التأجيل. ما يدور في كواليس محادثات إسلام آباد ليس مجرد تنسيق إقليمي عابر، بل اختبار حقيقي لمدى استعداد طهران لمغادرة ماضيها الأيديولوجي والانخراط في عالم يُعاد تشكيله بسرعة غير مسبوقة.
العالم اليوم لا ينتظر أحدًا. تتشكل ملامح نظام دولي جديد قائم على سلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والاستثمار، والقدرة على الاندماج في الاقتصاد العالمي. دول كانت حتى الأمس القريب متعبة، أصبحت اليوم مراكز تصنيع ومال، لأنها قررت ببساطة أن تتخلى عن شعاراتها الثقيلة، وتتبنّى منطق المصالح.
في المقابل، تبدو طهران وكأنها لا تزال تُدير صراعًا مع أشباح الماضي، تُعيد إنتاج سرديات الثورة، بينما يتقدم العالم من حولها بخطى متسارعة.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في موقع إيران من النظام الدولي، بل في داخلها أيضًا.
في عمق النظام، تتصاعد صراعات مكتومة بين أجنحة تدرك أن الاستمرار في النهج الحالي يقود إلى انسداد استراتيجي، وأخرى ترى في أي انفتاح تهديدًا مباشرًا لبقائها. هذا التناقض لم يعد قابلًا للإخفاء، يظهر في تضارب التصريحات، وفي غياب رؤية اقتصادية واضحة، وفي إدارة الأزمات بمنطق أمني لا تنموي.
أما على مستوى المجتمع، فالصورة أكثر وضوحًا وحدةً. شريحة واسعة من الإيرانيين لم تعد تقارن نفسها بما كانت عليه قبل عقود، بل بما يراه العالم اليوم: مدن ذكية، واقتصادات مزدهرة، وفرص عمل، وجودة حياة.
في المقابل، يعيش كثيرون في إيران تحت ضغوط اقتصادية خانقة، وتآكل في القدرة الشرائية، وشعور متزايد بأن الدولة تستهلك مواردها في صراعات خارجية لا تعود عليهم بأي مردود ملموس.
هذه الفجوة بين تطلعات المجتمع وأولويات النظام خلقت حالة من الإرهاق العام. لم يعد السؤال: هل ينجح المشروع؟ بل: إلى متى يستمر هذا النهج بالرغم من كلفته؟
يزداد هذا الشعور حدةً مع إدراك شريحة من الإيرانيين أن النخبة الحاكمة نفسها لا تعيش النتائج ذاتها. فبينما يُطلب من الداخل الصبر والتحمل، يعيش أبناء بعض المسؤولين في عواصم غربية، يدرسون ويعملون ويتمتعون بأنماط حياة تختلف جذريًا عما هو متاح داخل البلاد.
هذا التناقض يضرب في صميم الخطاب الأيديولوجي، ويحوّله من مشروع تعبئة إلى عبء فقد الكثير من مصداقيته.
النتيجة هي معادلة داخلية معقدة:
نظام يسعى إلى الحفاظ على تماسكه بأي ثمن، ومجتمع يتطلع إلى تغيير حقيقي، وواقع اقتصادي لا يسمح بمزيد من المناورة.
في هذا السياق، تكتسب محادثات إسلام آباد بُعدًا أعمق من مجرد دبلوماسية تقليدية. إنها مرآة لسؤال أكبر: هل تملك طهران القدرة والإرادة لإعادة تعريف نفسها كدولة طبيعية ضمن الاقتصاد العالمي؟ أم أنها ستستمر في إدارة تناقضاتها الداخلية عبر تصدير الأزمات إلى الخارج؟
الاختيار ليس بين مسارين سياسيين فحسب، بل بين نموذجين للدولة:
دولة تُدار بعقلية الثورة الدائمة، حيث الصراع هو الأصل، أم دولة تُدار بعقلية التنمية، حيث الاستقرار والازدهار هما الهدف.
وما بين هذين الخيارين، لا يقف الزمن محايدًا، بل يمضي، تاركًا خلفه من يترددون.


