وقت الحروب تكون حالة التوتر في أشدها على كافة المستويات الرسمية والشعبية، ومحاولات إيقاف تلك الأزمات والتوجه للحلول السلمية مطلب يعيشه الجميع ويباركه، وتبقى سبل التواصل إلى اتفاق مرضٍ لجميع الأطراف، دون أن يتضرر أحد، وهنا مربط الفرس، كيف نقنع دولة لا تريد السلام، ولا تسعى إليه، ورسخت كل مجهوداتها طوال الأربعين عامًا الماضية في فرض نفوذها في المنطقة؟! وعندما استشعر الجميع خطرها، وبأن فرص امتلاكها للسلاح النووي أصبحت وشيكة، كان من الطبيعي أن يتحرك الجميع، إذ لا يمكن أن تصبح إيران صاحبة السيادة والقوة في المنطقة، ويصبح الجميع تحت رحمة سطوتها، هذا ما لن يقبله أحد، ومن ثم أصبحت هذه الحرب ضرورية لإيقاف كل هذه التجاوزات الإيرانية. سنوات طويلة ومنطقة الشرق الأوسط تعيش في توتر ومحاولات تخريب وتدمير من إيران وأذرعها في بعض الدول، هذا التصور الكارثي الذي تعيشه إيران في المنطقة لم يكن الصمت عنه خوفًا، أو أعطاهم الفرصة حتى يتمددوا في كل مكان، بل لأن الجميع يدرك أن جر المنطقة للحروب والفوضى لن تكون نتائجه جيدة على المدى الطويل، ويبدو أن السلطة السياسية في إيران اعتقدت غير ذلك، وهذا ما جعلها تتمادى كثيرًا، وكان من الواجب التوقف في الوقت الملائم، ومواجهة الموقف بالقرار الأصعب، وهو الحرب وتدمير كل الأسلحة الإيرانية ومصانعها وأماكن تواجدها، مع العمل على تصفية كل القادة المؤثرين في السياسة الإيرانية.
إضعاف القوة العسكرية المرتبطة بالسلاح الإيراني وتدميره كان خيارًا مهمًا واجب التنفيذ، وقد قامت أميركا فعليًا بهذا الأمر، ولا تزال تفعل ذلك بالرغم من الهدنة والمفاوضات التي تتبناها دولة باكستان الآن، علمًا أنها تمر الآن في منطقة لا اتفاق، ولا أظن الجانب الإيراني سيكون مرنًا في التفاوض، خاصة في البنود المرتبطة بتخصيب اليورانيوم ومضيق هرمز، الذي يعتقد الإيرانيون أنه الورقة الأكثر قوة للتحكم في تفاصيل المفاوضات وفرض شروطها، وهذا بالتأكيد غير صحيح، ومحاولة الاستفادة من هذا الأمر، ولو على الصعيد الإعلامي، لن تكون مفيدة، فهم يدركون جيدًا أن القوات الأميركية قد تمكنت، وبنسبة كبيرة، من تدمير السلاح البحري لإيران، وكل ما تبقى مجموعة زوارق صغيرة لن يكون لها دور بعد أن تسيطر القوات الأميركية على مضيق هرمز. السؤال الأكثر أهمية اليوم: لماذا تواصل إيران خوض هذه الحرب، وهي تدرك جيدًا أنها أقل بكثير من أن تواجه دولة عظمى مثل أميركا، خلفها كل حلفائها في المنطقة؟ القرار السياسي اليوم في إيران متخبط جدًا، وكثير من دول المنطقة اليوم، وتحديدًا، حين تفشل المفاوضات القائمة حاليًا، والتي يتضح فيها أن نسبة الفشل أقرب إلى النجاح، سيتحولون من حالة الدفاع واستقبال الصواريخ والمسيرات إلى الهجوم والقضاء على ما بقي من إيران، تقريبًا كل دول المنطقة، وعلى رأسها السعودية، أصبحت جاهزة لخيار مثل هذا، بدليل وصول قوة عسكرية باكستانية إلى السعودية، لذا لم تعد الأخبار القادمة من إيران ومدى قدرتها على الرد والسيطرة مهمة، ولا تعني شيئًا لدول المنطقة، وفي تصوري أصبح من المهم اليوم القضاء تمامًا على الخطر الإيراني، وإعادة صياغة المنهج الإيراني مرة أخرى بعد تكوين سلطة لديها القدرة على قبول التعاون مع الجميع، وتسعى إلى أن تتخذ من السلام شعارًا يحفظ لها استمرارها، ويعزز من استقرار إيران كدولة سلمية تبحث عن الهدوء والاستقرار، وتفكر في التنمية وتوفير الحياة الكريمة لشعبها.
يقول غوستاف لوبون: "إن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب، ولا دينًا سمحًا مثل دينهم".


