هناك فترات في السياسة الدولية يُقدَّم فيها ضبط النفس على أنه حكمة. ما يتشكل في الشرق الأوسط هو فترة بدأ فيها ضبط النفس يبدو كنوع من الإضرار الذاتي الاستراتيجي. لم يعد الانتشار النووي خطرًا افتراضيًا يُدار عبر المعاهدات والمؤتمرات، بل أصبح استنتاجًا عقلانيًا تصل إليه الدول بهدوء، بعدما فقدت الثقة في أن النظام المصمم لحمايتها سيعمل عندما يكون الأمر مصيريًا.
لقد بُنيت منظومة عدم الانتشار دائمًا على صفقة. وافقت الدول التي لا تمتلك أسلحة نووية على البقاء من دونها مقابل ضمانات أمنية، وحماية قانونية ضد الإكراه، والتزام موثوق من قبل الدول المالكة لهذه الأسلحة بالسير نحو نزعها. هذه الصفقة لم تنهَر في لحظة واحدة، بل تآكلت عبر التناقض، حتى أصبحت اليوم أقرب إلى خطاب منها إلى واقع.
لقد تآكلت المصداقية إلى درجة لم يعد فيها النظام قادرًا على إقناع من يُفترض أن يطمئنهم. لم يكن على الولايات المتحدة أن تكون قادرة على كل شيء، بل كان يكفي أن تكون قابلة للتوقع. لم تعد كذلك. من العراق إلى أفغانستان، ومن سوريا إلى المواجهة الحالية مع إيران، يتكرر النمط ذاته: حروب تبدأ من دون وضوح قانوني، تتصاعد من دون أهداف محددة، وتنتهي من دون تسوية سياسية مستقرة. الحلفاء لا يغفلون عن هذا السجل، بل يقرؤونه كتحذير. عندما لا يستطيع ضامن أمنك ضمان النتائج، يصبح الاعتماد عليه شكلًا من أشكال التعرض للخطر. الدول لا تعلن ذلك صراحة، بل تتكيف معه.
في الوقت نفسه، يقوم النظام الإقليمي على عدم تماثل غير معلن لم يعد يمر من دون ملاحظة. لا يُحكم الشرق الأوسط بنظام عالمي شامل لعدم الانتشار، بل بنظام انتقائي. تمتلك إسرائيل أسلحة نووية خارج معاهدة عدم الانتشار، من دون أن تواجه عواقب ذات معنى. بينما تعمل بقية الدول تحت الرقابة والقيود والتهديد الضمني باستخدام القوة إذا اقتربت من القدرات نفسها. هذا ليس قانونًا، بل تراتبية تتنكر في شكل قانون. وعندما تُفرض التراتبية بشكل انتقائي، فإنها لا تنتج امتثالًا، بل تقليدًا. الرسالة واضحة: الأسلحة النووية ليست محظورة، بل مخصصة.
الإطار القانوني الذي كان يقيد استخدام القوة فقد بدوره مصداقيته. ما زال ميثاق الأمم المتحدة قائمًا، لكن سلطته تآكلت بفعل الانتهاكات المتكررة، وإعادة التفسير، وتطبيع الاستثناءات. عندما تستنتج الدول أن القانون لن يحميها من الهجوم، فإنها لا تلجأ إلى المبادئ، بل إلى الردع. تصبح القدرة النووية أقل طموحًا وأكثر بوليصة تأمين ضد نظام أثبت عجزه عن تقييد من يملكون القوة.
في هذا السياق، لا يتقدم الانتشار عبر التصريحات، بل عبر البنية التحتية. تُمدد البرامج النووية المدنية إلى الحد الذي يحافظ على خيار التحول. تُبرر أنظمة الصواريخ باعتبارها ضرورات دفاعية. وتُبنى شبكات التوريد بقدر من الغموض المقصود. تبقى لغة الامتثال قائمة حتى يصبح الاتجاه الاستراتيجي غير قابل للرجوع.
الدولة الأكثر احتمالًا لترجمة هذا المنطق إلى فعل هي المملكة العربية السعودية. ليس بدافع أيديولوجي، بل بفعل الضرورة. تمتلك الرياض القدرة المالية، والثقل الجيوسياسي، وسببًا متزايد الوضوح لرفض مستقبل قائم على الضعف الدائم. إذا حافظت إيران على قدرات نووية كامنة أو أعادت تشكيلها، فلن تقبل السعودية بنظام إقليمي تحتكر فيه قوة الردع من قبل خصمها الرئيسي. لن تعلن هذا التحول، بل ستبنيه بهدوء، وبفهم أن الغموض نفسه شكل من أشكال القوة.
عند عبور هذه العتبة، حتى في صورتها الكامنة، يتغير منطق المنطقة. لن تتجاهل تركيا ذلك، ولن تتجاهله مصر. لم يعد السؤال ما إذا كانت الأسلحة النووية مرغوبة، بل ما إذا كان البقاء من دونها ممكنًا. عند هذه النقطة، يتوقف نظام عدم الانتشار عن العمل، ليس عندما تُهجر المعاهدات، بل عندما يختفي الإيمان بها.
ما يتشكل ليس تسلحًا فوريًا، بل وضع أكثر خطورة: منطقة من دول العتبة، لكل منها القدرة على التحول إلى قوة نووية، وكل منها غير واثقة من نوايا الأخرى، وكل منها يعمل ضمن جداول زمنية مضغوطة في لحظات الأزمات. هذا هو أخطر أشكال الانتشار، لأنه يستبدل الوضوح بالغموض، والردع بحسابات تحت الضغط.
يبقى هناك نظريًا بديل: إطار حقيقي وشامل لشرق أوسط خالٍ من أسلحة الدمار الشامل، يُطبق بلا استثناء ويُفرض بمصداقية. لكن هذه المقترحات تبقى قائمة لأنها لا تُختبر أبدًا. فهي تتطلب الشرط الوحيد الغائب: أن تخضع القوة للقواعد نفسها التي تفرضها على الآخرين.
ما يتشكل بدلًا من ذلك أكثر اتساقًا وأكثر خطورة. تستخلص الدول النتيجة الوحيدة التي تركها لها النظام: القانون مشروط، والضمانات قابلة للتراجع، والضعف يُعاقَب.
في مثل هذه البيئة، لم يعد يُفسَّر ضبط النفس على أنه مسؤولية، بل على أنه ضعف.
هذه هي لحظة الانتشار. لن تبدأ بتجربة نووية أو إعلان رسمي أو خرق درامي للمعاهدات. ستبدأ في المختبرات، وفي سلاسل التوريد، وفي قرارات السياسات التي تُتخذ خلف الأبواب المغلقة. ستتقدم تحت لغة الامتثال حتى لا تعود بحاجة إليها.
وعندما تصبح مرئية، لن تبدو كأزمة مفاجئة، بل كحقيقة تم بناؤها بالفعل.
إذا جاء التحول الحاسم الأول في أي مكان في العالم العربي، فسيأتي من السعودية. وعندما يحدث ذلك، فلن يكون بداية الانتشار في الشرق الأوسط، بل لحظة انهيار الوهم بإمكانية منعه.


