اعتادت الساحة السياسية في لبنان أن تشهد سجالاتٍ سياسيةً سرعان ما تترجم عراكًا أقرب ما يكون إلى حرب أهلية في ميادين التواصل الاجتماعي.
اليوم، لبنان في حالة انقسام عامودي وأفقي بعد انطلاق المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب برعاية أميركية.
البعض يصفها بـ "طاولة استسلام" لا طاولة مفاوضات، وهذا كلام دقيق بالمعنى السياسي والعسكري، إلا أن حريًّا بمتبني هذه المدرسة، مدرسة الشعارات، أن يقولوا للبنانيين: أيُّ انتصاراتٍ تلك التي حصدها لبنان بعد عقود من المواجهة مع "العدو الإسرائيلي" كي نتخندق خلفها ونحن على طاولة التفاوض؟!
اللبنانيون اليوم مطالبون أكثر من أي وقتٍ مضى بالوقوف أمام لحظة الحقيقة، تلك المحطة التي ترفض معظم القوى السياسية مواجهتها خشية "تشويه" تاريخ نضالي من جهة، وحفاظًا على تماسك قلاع سياسية ارتهنت للخارج ولا تزال تنتظر فتوى تحليل "التفاوض" من الحلال.
الحقيقة المؤلمة أن ثمة من ينظر إلى التفاوض مع إسرائيل من زاوية عقائدية، وهذا ما ظهر مع تفجر طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) لعام 2023. وفي المقابل، هناك من يرى في المواجهة العربية الإسرائيلية صراعًا سياسيًا، وهذا ما أكدت عليه القمة العربية في بيروت عام 2002: الأرض مقابل السلام.
اللبنانيون اليوم أمام فرصة تعرية أصحاب الشعارات البالية والمضي في خيار الدولة المدنية التي أرسى دعائمها اتفاق الطائف. مطالبون بالخروج من حالة التقوقع الطائفي إلى رحاب النظام العالمي الجديد الذي ترتسم معالمه بدبلوماسية النار، ونحن الحلقة الأضعف.
اللبنانيون على مختلف اتجاهاتهم السياسية والفكرية والمذهبية جربوا كل ألوان الفكر السياسي، المحلي منها والمستورد، ولم يعتادوا محاسبة القائمين على كياناتهم السياسية المفروضة عليهم بقوة "الهوية المذهبية"، ولكنهم اليوم مطالبون بطرح سؤالٍ واحدٍ يتيم على مراجع كياناتهم السياسية الضيقة: لماذا لا نمضي في خيار السلام واللحاق بسرب الحقيقة؟ لقد بحث اللبنانيون طويلًا عن الحقيقة فلم يروها، وها هي حقيقة سلام الأمر الواقع تطل عليهم اليوم بنفسها!
الادعاء بأن هدف التفاوض هو وقف إطلاق النار هو تبرير ناقص وقاصر ينم عن قصر نظر سياسي لما آلت إليه الأمور في العالم والشرق الأوسط تحديدًا.
كَثُر أولئك الذين يكابرون على حقيقة التعايش مع الواقع. البعض يلتقط شعارات ناصرية بالية وضعت مصر والعرب في آخر ركب التنمية والتعليم، وآخرون يتخندقون بسلاح الرفض العقائدي، وهو السلاح الذي يعتاش على "دماء الإخوة" شرقًا وغربًا.
فشلت القوى السياسية في لبنان، وبكل جدارة، في إرساء بيئة مواطنة حقيقية، ولذلك كان هدفها المشترك هو التصويب على قيام الدولة القوية العادلة، ونجحت. لكن اليوم، في سدة الرئاسة، لبنانيٌّ قرر أن يترك قصر بعبدا والعودة إلى منزله في الجنوب، لا إلى ميدان الأنصار والمحازبين كما فعل من سبقه. ورئيس حكومة تنقصه الخبرة السياسية، لكنه متمكن وطنيًا في اتخاذ القرارات المصيرية.
نعم، فشلت القوى السياسية في لبنان في تهيئة بيئة المواطنة، ومن هنا يقول أحد الحكماء إن أحد طرق الخلاص قد يكون بإطلاق فزعة نسائية وطنية لبنانية، فتوحيد آلام الأمهات قد يكون دافعًا لتشكيل جبهة "قوة ناعمة" تطوق مشاريع أمراء الدم في الحرب وأمراء المال في السلم.
مع كل حدثٍ مفصلي يتعلق بالسلام العربي الإسرائيلي، يعبر أمامي موقف الراحل اللبناني الكبير أدمون نعيم في بداية عملي الصحافي في جريدة الأنوار مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين التقيته في مكتبة منزله الرائعة في الرابية، قال لي إن مواجهة إسرائيل تبدأ بفتح الحدود أمامها، وحينها تضيع وسط الكم البشري العربي والإسلامي الهائل.

