في الجغرافيا التي تُعرِّفها طهران أطرافًا، يتشكّل مركزٌ آخر لا يُقاس بالمسافة، بل بقدرة الفعل، هناك، في الشريط الجبلي الممتد من كرمانشاه إلى أذربيجان الغربية، تتحرك مسألة كردية ليست طارئة ولا موسمية، بل تراكم طويل من التنظيم، والخبرة، والذاكرة القتالية. ما يبدو للوهلة الأولى مجموعات متفرقة، هو في الحقيقة منظومة ضغط مركّبة، تتوزع بين العمل المسلح والسياسي، وتستثمر اللحظة كلما انفتح في جسد الملالي شقٌّ أو اهتزاز.
الأكثر حضورًا ميدانيًا هو حزب الحياة الحرة لكردستان، الذي صاغ لنفسه عقيدة قتال تتقاطع مع مدرسة حزب العمال الكردستاني: اقتصاد في القوة، تعظيم للمفاجأة، واستنزاف بطيء يُرهق الخصم أكثر مما يكسِره دفعة واحدة. لا يحتاج هذا النمط إلى جيوش جرّارة، يكفيه أن يحافظ على وتيرة عمليات متقطعة، ومرونة تموضع بين الداخل الإيراني وعمق جبال قنديل، ليحوّل السيطرة الأمنية إلى مهمة دائمة الكلفة. في هذا الإطار، تصبح كل نقطة حراسة اختبارًا يوميًا، وكل طريق إمداد احتمالًا مفتوحًا للكمائن، ما يفرض على الحرس الثوري الإيراني نمط انتشار واسعًا ومكلفًا.
لكن قراءة المشهد عبر البندقية وحدها تبقى قاصرة، فإلى جانب باجاك (PJAK)، يحتفظ الحزب الديمقراطي الكردستاني بثقل تاريخي وسياسي، يجمع بين إرث التنظيم القديم وشبكات اجتماعية ممتدة داخل المجتمع الكردي. هذا الحزب، وإن خفّض وتيرة العمل المسلح مقارنةً بمراحل سابقة، لا يزال قادرًا على تحويل أي لحظة احتجاج إلى خطاب منظم، وعلى ترجمة المظالم المحلية إلى سردية سياسية قابلة للتداول داخليًا وخارجيًا، في المقابل، تمثل تيارات كومله بقايا مدرسة يسارية عميقة الجذور، تعاني من انقسامات لكنها تحتفظ بخبرة تنظيمية وتاريخ من العمل النقابي والطلابي، فيما يتحرك حزب حرية كردستان بهامش أصغر، مستفيدًا من خبرات قتالية اكتسبها في ساحات مجاورة.
المسألة الحاسمة هنا ليست من يملك السلاح أكثر، بل من يملك القدرة على تحويل التعدد إلى تأثير. التباين السياسي بين هذه التنظيمات واضح، وهو ما حدّ تاريخيًا من قدرتها على تشكيل جبهة موحدة. غير أن هذا التعدد ذاته يمنحها قدرة على الانتشار عبر قنوات مختلفة: من الجبل إلى الجامعة، ومن الخطاب الحقوقي إلى الفعل الميداني. حين تتزامن هذه القنوات، ولو دون تنسيق كامل، يتحوّل الضغط إلى حالة ممتدة يصعب إغلاقها بقرار أمني واحد.
تُظهر التجربة أن هذه القوى تجيد قراءة اللحظة. في فترات الهدوء النسبي، تنكفئ إلى إعادة التنظيم، وترميم الشبكات، وتدريب الكوادر. وعندما تتسع فجوة داخلية، اقتصادية كانت أم سياسية، تظهر بسرعة على السطح، مستثمرة الاحتجاجات أو التوترات المحلية لإعادة طرح مطالبها. هذا النمط يجعلها لاعبًا لا يغيب، حتى حين يبدو أنه تراجع. وهو ما يفسر كيف حافظت على حضورها بالرغم من حملات عسكرية متكررة، وبالرغم من بيئة إقليمية معقدة.
جغرافيًا، تمثل الحدود مع إقليم كردستان العراق عمقًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله. فوجود قواعد خلفية، ومسارات حركة عبر تضاريس صعبة، يمنح هذه التنظيمات مساحة مناورة تُعقّد أي محاولة حسم سريع. وفي المقابل، تملك طهران أدواتها: من الضغط عبر الحدود، إلى التنسيق الأمني مع بغداد، وصولًا إلى استخدام القوة المباشرة. إلا أن هذه الأدوات، على فعاليتها، لم تُنهِ المقاومة، بل أعادت تشكيلها في كل مرة، لتعود بأشكال أكثر مرونة.
اقتصاديًا واجتماعيًا، تتغذى هذه الحركات من شعور تراكمي بالتهميش في المناطق الكردية داخل إيران. الفجوة التنموية، والقيود الثقافية، وسرديات الهوية، كلها عناصر تتحول إلى وقود سياسي. هنا تتقاطع البنادق مع الخطاب، فكل عملية ميدانية تجد صداها في رواية حقوقية، وكل خطاب سياسي يستند، ضمنيًا أو صراحة، إلى قابلية الفعل على الأرض. هذا التزاوج بين الرمزي والعملي هو ما يمنحها قدرة على البقاء.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن أن تكون "الورقة الكردية" عامل حسم؟ الجواب الأدق أنها ليست حسمًا منفردًا، بل مُضاعِف قوة. حين تتلاقى مع ضغوط اقتصادية، أو انقسامات داخلية، أو توترات إقليمية، تتحول إلى عامل ترجيح يُربك الحسابات. أما في غياب هذه التلاقيات، فتبقى عنصر استنزاف مزمن، يرفع كلفة السيطرة دون أن يكسرها. بعبارة أخرى، هي رافعة محتملة، لا قاعدة كافية بذاتها.
ومع ذلك، فإن ما يجري على تخوم إيران ليس هامشًا صامتًا. إنه مختبر دائم لقياس صلابة الدولة، وقدرة خصومها على التعلم والتكيّف. التنظيمات الكردية، على اختلاف مدارسها، أثبتت أنها قادرة على البقاء، وعلى إعادة تعريف حضورها كلما تغيّرت الظروف. وبين بندقية في الجبل وخطاب في المدينة، تتشكل معادلة دقيقة قادمة: انتصار سريع، ونهاية قريبة، وصراع يُدار بالنَّفَس، وتُحسم جولاته بالتراكم لا بالضربة الواحدة.


