: آخر تحديث

حين تنطفئ روح الجامعة... أين تذهب أسئلة الإنسان والمجتمع؟

5
6
5

لم يكن الجدل الذي رافق تسريب قرار إيقاف القبول في عدد من التخصصات الإنسانية بجامعة الملك سعود مجرد اختلاف عابر حول سياسات تعليمية، بل كشف عن أزمة أعمق: غياب السردية التي تفسّر القرار، وتمنحه معنى يتجاوز إطاره الإداري. ففي اللحظة التي سبقت البيان الرسمي، كان الرأي العام قد شكّل روايته الخاصة، وملأ الفراغ الذي تركته المؤسسة بصمتها.

القضية هنا لا تتعلق فقط بإلغاء أو تعليق برامج وتخصصات إنسانية في اللغة العربية أو الجغرافيا أو علم الاجتماع أو التربية أو غيرها، بل بكيفية إدارة التحولات الكبرى داخل الجامعات. حين تغيب الخطة الاتصالية، لا يعود القرار قرارًا، بل يصبح تأويلًا مفتوحًا على القلق وسوء الفهم. وهذا ما حدث: خبر مسرّب، بيان متأخر، وصياغة غامضة زادت من اتساع الفجوة بين المؤسسة ومجتمعها.

ما زاد من حساسية المشهد أن جامعة الملك سعود ليست جامعة عادية، إنها الجامعة الوطنية الأم والأكبر، ورمز أكاديمي يُفترض أن يقود النقاش لا أن يتأخر عنه. مثل هذه المؤسسات لا تُقاس فقط بعدد برامجها أو مخرجاتها الوظيفية، بل بدورها في ملامسة أسئلة الإنسان العميقة، ومواكبة تحولات المجتمع، والانخراط في جدليات المعرفة التي تشكّل وعي الأجيال. وحين يصدر عنها قرار يمس جوهر العلوم الإنسانية دون تمهيد فكري واتصالي، فإن الأثر يتجاوز الحرم الجامعي ليطال الفضاء العام بأكمله.

في قلب هذا الجدل تقف مدرستان أكاديميتان معروفتان عالميًا. الأولى ترى أن الجامعة يجب أن تُعيد تشكيل برامجها وفق احتياجات سوق العمل، وأن التخصصات التي لا تواكب الطلب الاقتصادي تفقد مبررها. أما الثانية، فتنطلق من تصور أوسع: الجامعة ليست مصنعًا للوظائف، بل فضاء لإنتاج المعنى، ومختبرًا لفهم الإنسان في تعقيداته وأسئلته وتحولاته.

غير أن اختزال النقاش في هذا الاستقطاب الثنائي يُخفي حقيقة أكثر تركيبًا. فحتى الجامعات الأكثر ارتباطًا بالاقتصاد العالمي لم تتخلَّ عن العلوم الإنسانية، بل أعادت صياغتها. في جامعة هارفارد وجامعة أكسفورد وجامعة ستانفورد، لم تُلغَ هذه التخصصات، بل جرى دمجها مع مجالات التقنية والاقتصاد والسياسات العامة، لتنتج نماذج تعليمية هجينة تُوازن بين المهارة والمعنى، وتُبقي الإنسان في قلب المعادلة.

من هنا، يبدو أن المشكلة ليست في "وجود" العلوم الإنسانية أو "غيابها"، بل في كيفية إدارتها وتحديثها. فالتحدي الحقيقي أمام الجامعات اليوم ليس أن تختار بين الإنسان والسوق، بل أن تعيد تعريف العلاقة بينهما.

ومع ذلك، فإن ما فاقم الأزمة في الحالة الأخيرة هو غياب الرؤية المعلنة. لم تُقدَّم خريطة طريق واضحة تشرح: هل نحن أمام إلغاء دائم؟ أم إعادة هيكلة؟ أم انتقال نحو نماذج تعليمية جديدة؟ هذا الفراغ جعل القرار يبدو وكأنه قطيعة، لا تحولًا.

الجامعة، في جوهرها، ليست مجرد مؤسسة تعليمية، إنها كيان رمزي يُنتج الثقة بقدر ما يُنتج المعرفة. وعندما تفقد قدرتها على التواصل في اللحظات الحساسة، فإنها تخسر جزءًا من صورتها المعنوية، حتى لو كانت قراراتها صحيحة من الناحية الاستراتيجية.

العلوم الإنسانية، في هذا السياق، ليست ترفًا يمكن الاستغناء عنه، بل هي الإطار الذي يمنح بقية المعارف معناها. من دونها، تتحول الجامعة إلى منظومة مهارية صامتة، تجيد إنتاج الأدوات، لكنها تعجز عن مساءلة غاياتها.

يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: ليس هل نُبقي هذه التخصصات أم نلغيها، بل كيف نعيد تقديمها بحيث تظل قادرة على تفسير الإنسان في زمن يتغير بوتيرة غير مسبوقة؟ وكيف يمكن لجامعة بحجم ودلالة جامعة الملك سعود أن تقود هذا التحول، لا أن تُفاجئ به، وأن تكون منصة لفهم الإنسان ونموه، لا مجرد مرآة متأخرة لتحولات السوق؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.