في الحسابات الصامتة للدول، لا تُقاس المخاطر بعدد البنادق، بل بقدرة الجغرافيا على التحول إلى إرادة!
اللّور، الذين ينتشرون على امتداد جبال زاغروس غرب إيران، يمثلون حالة فريدة في هذا الميزان: كتلة بشرية تُقدَّر بين 6 و10 ملايين، متجذرة في تضاريس وعرة، ومتشبعة ببنية قبلية لا تنكسر بسهولة، لكنها في الوقت ذاته لم تتحول حتى الآن إلى مشروع سياسي صريح أو تمرد منظم. هنا تبدأ الفرضية: ماذا لو انتفض اللّور؟
اللّور ليسوا أقلية هامشية. هم جزء من النسيج الإيراني، اندمج كثير منهم في مؤسسات الدولة، من الجيش إلى الحرس الثوري إلى الإدارة المحلية. لكن هذا الاندماج لم يلغِ خصوصيتهم، بل أخفاها تحت السطح. في مناطقهم، حيث الجبال تُعلّم الصبر والقتال، بقيت الروابط العشائرية حية، والولاء الاجتماعي يتقدّم على الولاء السياسي عند اللحظات الحرجة. تاريخهم ليس تاريخ انفصال، بل تاريخ شدّ وجذب مع المركز، تمرّدات محدودة، ثم احتواء، ثم عودة إلى التوازن. لذلك، حين نتحدث عن انتفاضة لورية، فنحن لا نتحدث عن سيناريو جاهز، بل عن كسرٍ مفاجئٍ في معادلة الاستقرار.
المفارقة أن اللّور، بالرغم من ثقلهم العددي والجغرافي، لا يملكون حركة معارضة واضحة مثل الأكراد أو البلوش أو الأحوازيين. لا توجد قيادة مركزية، ولا خطاب انفصالي، ولا بنية تنظيمية عابرة للمناطق. معارضتهم اتخذت أشكالاً احتجاجية متناثرة: مدن خرجت في موجات 2017 و2019 و2022، شبابٌ يطالبون بالعيش والكرامة، وبيئة محلية تشكو التهميش بالرغم من القرب من ثروات البلاد. هذه ليست ثورة، لكنها مادة خام لثورة محتملة إذا التقت بشروطها.
ما الذي قد يدفع اللّور إلى الانتفاض؟ ليس العامل القومي أولاً، بل التراكم الاقتصادي والاجتماعي. مناطق لورية تعيش فجوة تنموية واضحة، وبطالة مرتفعة، وبنية تحتية أقل من المتوقع قياساً بقربها من مراكز الطاقة. يُضاف إلى ذلك الإحساس المتزايد بأن المركز يستهلك الأطراف دون أن يعيد توزيع العائد. في بيئة قبلية، يتحول هذا الشعور إلى حديث في المجالس، ثم إلى موقف، ثم إلى فعل مزلزل، والشرارة قد تكون أزمة اقتصادية حادة، أو حادثة أمنية تُشعل الغضب، أو لحظة وطنية يتراجع فيها حضور الدولة.
لكن السؤال الأهم ليس: لماذا قد ينتفضون؟ بل: ماذا يحدث لو فعلوا؟ هنا تدخل الجغرافيا كعامل حاسم. جبال زاغروس ليست مجرد خلفية طبيعية، إنها حاجز استراتيجي يمتد بمحاذاة العراق ويشرف على عقد مواصلات حيوية تربط الجنوب الغني بالطاقة بالعمق الإيراني. أي اضطراب واسع في هذا الشريط لا يظل محلياً، يمتد أثره إلى سلاسل الإمداد، وحركة القوات، وتماسك الخطوط الداخلية. في لحظة ضغط متزامن على أكثر من جبهة داخلية، يمكن لانتفاضة لورية أن تتحول من حدث محلي إلى عامل مُضاعِف للاهتزاز.
انتفاضة اللّور، إن حدثت، لن تبدأ كتمرد مسلح منظم. طبيعتهم الحالية تشير إلى حراك شبكي، احتجاجي، سريع الانتشار في المدن والبلدات، مدعوم بروابط قبلية تمنح الاستمرارية، لا بالضرورة التسليح. السلاح قد يظهر لاحقاً إذا طال أمد الأزمة وتراجعت قبضة الدولة، لكن البداية ستكون سياسية اجتماعية بامتياز. وهذا ما يجعلها أخطر على المدى المتوسط، لأنها تنزع الشرعية قبل أن تختبر القوة.
في المقابل، يمتلك النظام الإيراني عناصر احتواء لطالما استخدمها ضد أي حراك شعبي مشروع، أولها الاندماج: وجود نسبة معتبرة من اللّور داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية يمنح الدولة قدرة على فهم البيئة من الداخل، وتفكيك أي حراك قبل أن يتصلّب. ثانيها الخبرة: طهران راكمت خبرة طويلة في إدارة الاحتجاجات المتفرقة، عبر مزيج من الضغط الأمني والامتصاص الاجتماعي. ثالثها غياب القيادة لدى اللّور: دون رأس واضح، يصعب تحويل الغضب إلى مسار مستدام. هذه العوامل تجعل أي انتفاضة محتملة عرضة للتفكك إذا لم تتزامن مع ضغوط أخرى أوسع.
هنا تتضح الصورة: انتفاضة اللّور وحدها قد لا تُسقط نظاماً، لكنها إذا تزامنت مع حراك في أطراف أخرى أو أزمة اقتصادية خانقة يمكن أن تُحدث كسراً في التوازن. قوة اللّور ليست في خطابهم، بل في موقعهم. ليسوا مشروع دولة بديلة، لكنهم قد يصبحون مفتاح إرباك الدولة القائمة إذا تحركوا في التوقيت الخطأ بالنسبة إلى المركز، أو الصحيح بالنسبة إلى أنفسهم.
الفرضية، إذن، ليست نبوءة، بل تحذير تحليلي: إيران التي نجحت في دمج اللّور لعقود، قد تواجههم بصورة مختلفة إذا تغيّر السياق العام. وعندها، لن يكون السؤال عن عددهم، وهو كبير، بل عن قدرتهم على تحويل الجبال إلى موقف، والموقف إلى مسار. في تلك اللحظة، لا تعود زاغروس مجرد تضاريس، بل تتحول إلى خط صدع يمتد من الجغرافيا إلى السياسة، ومن السياسة إلى استقرار الدولة.


