: آخر تحديث

لبنان بلا أوراق قوة؟ أم بلا سيادة؟

4
4
2

في عالم التفاوض، يُستخدم مصطلح "أوراق القوة"، أو ما يُعرف بـ Leverage، لوصف قدرة طرف ما على التأثير في مسار التفاوض ونتائجه. ببساطة، يشير هذا المصطلح إلى ما يملكه الطرف من عناصر ضغط، سياسية كانت أم عسكرية أو اقتصادية أو حتى معنوية، تمكّنه من فرض شروطه أو تعزيز موقعه على طاولة المفاوضات.

إلا أن هذه القوة لا تندرج دائمًا في إطار التفوق المادي أو العسكري المباشر، بل غالبًا ما تعكس مدى تماسك الدولة، ووضوح قراراتها، وقدرتها على الإجماع والاتفاق حول المسائل التي ستطرحها على طاولة المفاوضات.

تكمن مشكلة النقاش في لبنان حول التفاوض مع إسرائيل في أن مفهوم "أوراق القوة" يُختزل ظاهريًا، وكأنه محصور بالسلاح أو بميزان القوى العسكري. هذا الفهم الضيق لا يسيء فقط إلى فحوى التفاوض، بل يُستخدم أيضًا كذريعة لتعطيل أي مسار سياسي، وكأن الافتقار إلى أوراق القوة يُسقط جوهريًا حق الدولة في التفاوض. في الواقع، إن أخطر ما في هذا الطرح هو أنه يتجاهل أن غياب الدولة نفسها هو أكبر خسارة لأي "ورقة قوة" محتملة.

لنبدأ من البديهيات التي يحاول البعض طمسها. لم ينخرط أي بلد عربي في مفاوضات مع إسرائيل وبيده "أوراق قوة" حقيقية بالمعنى العسكري التقليدي. من مصر إلى الأردن، لم تنتج المفاوضات عن تفوق عسكري، بل عن قرار سياسي بالانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة. الفارق أن هذه الدول، مهما كانت ظروفها، كانت تتمتع بحد أدنى من السيادة، مما يسمح لها بالتفاوض المباشر باسمها كدولة، لا باسم ميليشيات أو مشاريع إقليمية.

لبنان اليوم لا يفتقد "أوراق القوة" بقدر ما يفتقد قرار الدولة الحر. وهذه هي المعضلة الحقيقية التي يحاول دعاة "الممانعة" تخطيها. فالمشكلة ليست في ميزان القوى مع إسرائيل، بل في ميزان القوى داخل لبنان نفسه. من يرفض التفاوض بحجة ضعف لبنان، يتجاهل أن هذا الضعف ناجم مباشرة عن وجود سلاح خارج عن الدولة، يتحكم بقرار الحرب والسلم، ويُدخل البلاد في مغامرات لا قدرة لها على تحمّل عواقبها.

الحديث عن انتفاء "أوراق القوة" تحوّل، في هذا السياق، إلى ذريعة لإدامة واقع مختل، ولا يمكن وضعه في إطار أي تحليل جدي. فلبنان اليوم لا يحتاج إلى امتلاك أوراق ضغط على إسرائيل بقدر ما يحتاج إلى استعادة قراره السيادي من قبضة من صادر هذا القرار وانتهكه. القوة الفعلية لأي دولة لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بقدرتها على احتكار قراراتها الرئيسة لجهة الحرب والسلم. وفي هذا المعيار تحديدًا، لبنان مغيّب، وليس ضعيفًا.

ثم إن السؤال الأهم الذي يتجاهله هؤلاء: ما هي خسارة لبنان عندما امتنع عن التفاوض؟ وماذا ربح لبنان من "المقاومة" في وضعها الراهن؟ لطالما دُمّر الجنوب، وانهار الاقتصاد مرارًا وتكرارًا، وبالتالي تآكلت الدولة. أما "تحرير الأرض"، الذي يُفترض أن يكون ذروة الإنجازات، فقد تحوّل إلى ذريعة لإبقاء لبنان في حالة حرب واقتتال مفتوحة. بل أكثر من ذلك، إن الأرض التي يُقال إن السلاح يحميها، تُركت فعليًا عندما قرر "محور المقاومة" ربط مصير لبنان بحروب إقليمية، من غزة إلى ما بعدها، من دون مراعاة أي مبدأ من مبادئ الوطنية والانتماء.

السلام، في هذا السياق، ليس تنازلًا، بل استعادة لما أُهمِل وأُهدِر. إنه استرجاع لدور الدولة الجوهري، لا خضوع لإملاءات الخارج. ومن يروّج لفكرة أن التفاوض يُضعف لبنان، يتجاهل أن لبنان هو أصلًا في أضعف حالاته حين يُستخدم كساحة حرب، وليس كدولة.

أما المقارنة التاريخية، فهي أكثر إدانة لهذا الخطاب. إن اتفاق 17 أيار 1983 لم يكن نتاج "أوراق قوة" لبنانية خارقة، بل نتيجة قرار رسمي بمحاولة الخروج من الحرب. نعم، سقط الاتفاق، لكن سقوطه لم يكن بسبب ضعف لبنان، بل بسبب قرار داخلي مرتبط بالخارج هدفه الانقلاب على الدولة نفسها، والانخراط في لعبة المحاور التي قادها النظام السوري آنذاك بقيادة حافظ الأسد. ما حصل في 6 شباط لم يكن "تصحيحًا"، بل كان ضربة قاضية لمفهوم الدولة اللبنانية، حين فُضّل منطق الميليشيا على منطق المؤسسات.

اليوم، يُعاد إنتاج الخطاب نفسه، ولكن بأقلام مختلفة. يُطلب من اللبنانيين أن يصدقوا أن سلاحًا أثبت فشله في حماية البلاد، هو نفسه الذي يمنحهم "القوة التفاوضية". ويُطلب منهم أيضًا أن يرفضوا أي مسار سلمي، بحجة أنه "استسلام"، فيما الاستسلام الحقيقي هو القبول باستدامة انتزاع قرار لبنان وتهميش سيادته.

الحقيقة المعلنة التي يحاول البعض دفنها هي أن لبنان لا يحتاج إلى "أوراق قوة" بقدر ما يحتاج إلى شجاعة سياسية. شجاعة الاعتراف بأن استمرار الحرب ليس خيارًا، وأن استعادة الدولة تبدأ بإعادة تعريف دورها، لا بتكريس عجزها. التفاوض ليس ضعفًا، بل هو التعبير الأسمى عن وجود دولة تمتلك قرارها وتتمسك بسيادتها. إلا أن، ولسخرية القدر، تحتاج الدولة اللبنانية، ومن أجل تحسين ظروفها على طاولة المفاوضات، إلى أوراق قوة في وجه الحرس الثوري وفرعه اللبناني حزب الله، الذي نجح في تسليم الجنوب اللبناني إلى الاحتلال الإسرائيلي.

أما الذين يهاجمون فكرة السلام بشراسة، فهم في الواقع لا يدافعون عن لبنان، بل عن مواقعهم في نظام الفوضى القائم. لأن أي سلام حقيقي، وأي عودة فعلية لكنف الدولة، تعني نهاية إمبراطورياتهم وأدوارهم التي بنوها على حساب الدولة.

باختصار، المشكلة ليست أن لبنان يفاوض من موقع ضعف، بل أن البعض يريد له أن يبقى ضعيفًا كي لا يفاوض أصلًا. وهنا تكمن المعركة الحقيقية، ليست مع إسرائيل، بل مع من صادر الدولة، وأقنع اللبنانيين أن غيابها هو قدرهم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.