مع حلول الذكرى الثالثة والعشرين لسقوط نظام الطاغية صدام حسين، التي تتزامن مع الهدنة بين إيران والولايات المتحدة، وما صاحبها من عدوان على دول الخليج، ومشاركة ميليشيات عراقية فيه، يفرض السؤال الجوهري نفسه: متى أخطأت بغداد؟
هل أخطأت بغداد فور سقوط نظام صدام حسين، أم حين استسلمت بعض — أو أغلبية — القوى السياسية العراقية للنفوذ والهيمنة الإيرانية على مفاصل القرار في بغداد؟
في موازين الخطأ والصواب، أخطأ العراق بحق الكويت مرارًا، وبلغ ذلك ذروته — إن كانت بغداد تملك قرارها — في السماح باعتداءات لميليشيات عراقية على الكويت والسعودية والإمارات، واقتحام القنصلية الكويتية في البصرة في زمن العدوان الإيراني على دول الخليج.
كم عدد الصفعات السياسية المطلوبة كي تستيقظ بغداد — وحكوماتها — من سبات متعمد أو طوعي في كنف إيراني ثيوقراطي وطائفي؟
وكم عدد الأيتام والضحايا من الشباب العراقي الذين التهمتهم نيران الطائفية تحت لافتة "الثورة الخمينية" المزعومة؟
وكم مرة تلقت بغداد نصائح سياسية ومساعدات اقتصادية من دول الخليج؟
لن ندخل في متاهات الأرقام، احترامًا لحق الجوار، ولن نُحصي المبادرات الخليجية — بما فيها مؤتمر الكويت الدولي لإعادة إعمار العراق — لكن السؤال المُلحّ يبقى: هل كانت فرحة الحكومة العراقية بسقوط نظام صدام مشروعة، أم منقوصة في ظل تمدد نفوذ إيراني؟
وهل يُعقل أن يتباهى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بهذه الذكرى، في وقت تخضع فيه مفاصل القرار في العراق لتأثير نظام الولي الفقيه؟
متى أخطأت بغداد؟
هل الخطأ حديث مع الاعتداءات المتكررة على الكويت والسعودية والإمارات من ميليشيات عراقية، أم أنه أقدم — يُعترف به في الكواليس ويُنكر أو يُلطّف في العلن؟
هل أخطأت بغداد حين وسّعت دائرة الحرب عبر ميليشيات تحرّكها إيران ضد الكويت والسعودية والإمارات، بدلًا من تحييد العراق أو النأي به عن هذا الصراع؟
كان بإمكان العراق أن يختار الحياد، وأن ينقذ بغداد من قبضة الهيمنة الإيرانية، ومن خطاب الكراهية الذي لا يفرّق بين سني وشيعي، لكنه لم يفعل — أو لم يجرؤ — مقابل مصالح قوى سياسية قدّمت اعتبارات أيديولوجية على المصالح الوطنية.
فمن أخطأ في حق بغداد؟
السياسة ليست مساحة لإدارة الغضب، ولا ساحة للعتب العاطفي، بل مجال للتفكير العقلاني وتحليل الوقائع على أسس علمية واجتماعية عادلة، بعيدًا عن الحسابات الطائفية البغيضة.
كان يفترض أن تتقدّم المصالح الاستراتيجية على المصالح الضيقة، لكن بغداد خسرت دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها الكويت والسعودية.
ثمة بُعد داخلي عراقي ينبغي الالتفات إليه في ذكرى سقوط نظام صدام حسين، بعيدًا عن الطائفية والنفوذ الإيراني، كي يتنفس الشعب العراقي هواء الحرية خارج أسوار الانقسام.
متى أخطأت بغداد بحق شعبها وسيادتها؟
هل سيأتي الجواب من السيد محمد شياع السوداني، الساعي إلى العودة إلى مقعد رئاسة الحكومة، أم من ملالي إيران؟

