: آخر تحديث

انقلاب الصين البارد على الشمال العالمي و"ليان شان بو"

3
2
3

سياسة الصين الخارجية تشبه مقاطعة كينت التي تقع على بعد أميال من جنوب شرق لندن. البريطانيون، بحسب مالكولم غلادويل، أطلقوا عليها "زقاق القنابل".
الطائرات الألمانية كانت تستخدم سماء كينت كطريقٍ سريع لقصف لندن، في الحرب العالمية الثانية.

بكين صنعت من أحداث العالم زقاق مناشير، تهبط فيه طائرات الدبلوماسية الصينية، لتقوم بتحميلها وتوزيعها على العالم، بعد إعادة تحريرها بعناوين برَّاقة، "عالم متعدد الأقطاب، التنمية المستدامة، ودعم دبلوماسية الأمم المتحدة والمنظمات الدولية".

حاولت قدر استطاعتها، أن لا تكون الاتحاد السوفييتي الآسيوي، للقرن الحادي والعشرين، كما تأمل واشنطن.

نفوذ الأخيرة بعد الحرب العالمية الثانية، يدين للاتحاد السوفييتي و"الستار الحديدي" في شرق أوروبا. العالم كان مشطورًا إلى قسمين، الغرب والشرق.

بعد أزمة الرهن العقاري الأميركي عام 2008، والتي انفجرت في وجه العالم كأزمة مالية عالمية، تذكرت واشنطن فجأةً، بأن الصين قادرة على لعب دور رأس الأنظمة السلطوية والدكتاتورية في العالم. هكذا ستبقى الولايات المتحدة راقصة باليه على المسرح الأوروبي، ترمي بتلات الديمقراطية وسكاكر الأمن على بروكسل.

انقلاب الصين البارد
يوم الخامس عشر من نيسان (أبريل)، قررت الصين التوقف عن سياسة "ليان شان بو" في سياساتها الخارجية.

القارئ يجب أن يعرف بأني سككتُ هذا المصطلح سياسيًّا، من اسم مسلسلٍ ياباني شهير في سبعينيات القرن الماضي، لحكايةٍ من التاريخ الصيني، تُرجِم عنوانه في عالمنا العربي إلى "حافات المياه".

حصتي في ملكية "ليان شان بو"، تأتي من ملاحظة إن "جميع الأبطال والأشرار في المسلسل يستخدمون يدهم اليسرى. بالتالي، اليمين في المسلسل، هي اليد التي تأكل مع الشيطان، بعكس نظرة التراث الإسلامي".

المهم، أن بكين قررت، بحسب تصريح الرئيس شي جين بينغ، المنشور في Global Times، أن لا تتوقف عند الحافات الخارجية لسياسات العالم، بل يجب أن يصيبها البلل.

الرئيس الصيني وجد أن بلاده وروسيا معنيتان بحماية "دول الجنوب العالمي".

هذا المصطلح السياسي، سكَّهُ المؤلف الأميركي كارل أوغليسبي، والذي كان ناشطًا أيضًا فيما عُرِف باسم "اليسار الجديد" عام 1969.

المصطلح، وباختصار، يشبه عُلبة سردين، تستطيع أن تحشر فيه دول العالم الثالث، جمهوريات الموز المخصص في طبعته الأصلية لدول أميركا اللاتينية، الدول المنخفضة الدخل، والدول الفقيرة.

اختيار الصين لمصطلح "الجنوب العالمي" كان بسبب زئبقية هذا المصطلح، فهو ليس معنيًّا بالجغرافيا، ولا يمتلك حتى القدرة على تقسيم العالم إلى معسكرات أيديولوجية.
بكين أرادت فقط أن تجرِّب ردَّة فعل العالم، على التلويح بالنفوذ في سياستها الخارجية.

لافتة تحذير
الصينيون أرادوا تنبيه من يعنيه الأمر، من خلال استخدام مصطلح "الجنوب العالمي". حافز الصين أنها لم تجد انقلابًا باردًا، ولو بالحدِّ الأدنى، في علاقات أوروبا معها.

انخفاض ضغط الثقة السياسية عبر الأطلسي، بين واشنطن وبروكسل، لم يقنع بكين بأن هناك مشاكل حقيقية بينهما.

كل الهرج والمرج الإعلامي عن الخلافات الأطلسية، لم يُغيِّر جوهر العلاقة الصينية الأوروبية، أي سياسة "نزع المخاطر". نستطيع وصفها عمليًّا، "جيبي مع بكين وعقلي مع واشنطن".

الدليل الآني، موقف بروكسل من أزمة مضيق هرمز، نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.

صحيفة Wall Street Journal، نشرت في نفس يوم الانقلاب الصيني على سياسة "ليان شان بو"، بأن بروكسل تحضِّر خطة تخص مضيق هرمز.

القارة العجوز بالطبع تشعر بالنشوة، بعد أن تخلَّصت من رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، في انتخابات 12 نيسان (أبريل).

طيلة ستة عشر عامًا لم يكل ولم يمل من الدعوة إلى تجديد شباب العلاقات بين بروكسل والكرملين. الأدهى إنه اعتبر كييف خنجرًا في الخاصرة الأوروبية، لا حربة بوجه موسكو.

ذهابه ومجيء بيتر ماجيار، يساعد أوروبا على تقليل التباينات بين دولها فيما يخص الحرب الدائرة بين الروس والأوكران.

بروكسل تريد، وعبر خطتها المُعلنة فيما يخص مضيق هرمز، أن تلعب في مضيقين.

المضيق الأول، استغلال الحرب لتحسين علاقاتها نسبيًّا مع طهران، والظهور بموقف حلال العقد في السياسة العالمية. أمَّا المضيق الثاني، فهو انتظار ما تريد أن تفعله الولايات المتحدة مع إيران، وبحجة هرمز ستكون مستعدة للمشاركة العسكرية فورًا وبدون إبطاء، في لحظة التجلي الأطلسي.

مجلس الأمن القومي الروسي، وفي يوم الرابع عشر من نيسان (أبريل)، حذَّر نظام الملالي، بأن مفاوضات إسلام آباد مع الأميركيين هي على الأرجح "خدعة".

ذكر الروس بأن أصولاً عسكرية لقوات البحرية الأميركية ستصل مياه الخليج العربي، في نهاية مهلة الأسبوعين التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، للتفاوض مع إيران.

الجميع، وباختصار، خلع أحذيته في الإعلام كي يخفف صوت قعقعة معدن الحشود العسكرية والتعقيدات الجيواستراتيجية!

سياسة الصين الإيرانية
تصريح واشنطن بأنها كشفت مساعدة الصين لإيران عسكريًّا يبدو كوميديًّا، لأن ذلك لا يحتاج قمرًا صناعيًّا، وإنما حساب نتيجة 1+1.

هي تريد أن تضرب مسمارًا في نعشٍ مُتخيَّل للصين في حسابات دول العالم.

الولايات المتحدة معروفة، بحسب سكوت ريتر المؤلف والمفتش السابق في لجنة الأمم المتحدة، بأنها لا تتورط في حروب برية مع دول تمتلك مساحات شاسعة. وفي حالة إيران فإن مساحتها تُعادل تقريبًا، مساحة ثلاث دول مجتمعة، هي فيتنام والعراق وفنزويلا.

يجب أن لا يغرَّنا ما حدث في فنزويلا مع نيكولاس مادورو وزوجته يوم 3 كانون الثاني (يناير) الماضي.

الولايات المتحدة تمتلك علاقات ممتازة مع الجيش الفنزويلي. تلك العلاقات دفعت هذا الجيش إلى الانقلاب على الرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو تشافيز، والإطاحة به عام 2002 ليومين، قبل أن يعود إلى سدَّة الحكم.

عدم الإشارة إلى هذه التفصيلة في تاريخ فنزويلا السياسي، هو ما جعل اختطاف مادورو خارقًا جدًّا.

إعلان الصين عن حماية الجنوب العالمي، يعني بأنها ستكون منخرطة أكثر في السياسات العالمية. أو أن تصريحاتها القادمة ستحمل لغة الحرب الباردة، لكنها ستبقى دافئة مع الجميع بحكم الحاجة إلى استمرار نموها الاقتصادي.

أوروبا والولايات المتحدة وضعهما مختلف. هما ما زالتا تشعران بأن اللحظة الأطلسية، للعودة إلى سياسة المستعمرات في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، باتت قاب قوسين أو أدنى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.