: آخر تحديث

ضحية ترفض الأعذار

5
5
4

سارة النومس

أذكر في طفولتي أنّني كنت أسمع كثيراً عبارة (العالم أصبح قرية صغيرة).

كنا نستخدم جهاز الحاسوب الرمادي، ووسيلة اتصال عبر بطاقة تعبئة لمدة ساعات محددة، إضافة إلى خط الهاتف المنزلي، وكان الاتصال حينها بطيئاً. لم تكن هناك تطبيقات تواصل اجتماعي متنوعة كما هو اليوم، بل كانت محدودة، كانت وسائل الاتصال الحديثة آنذاك رسائل البريد الإلكتروني وصفحات المحادثة (الشات). والسؤال: إذا كان العالم حينها قرية صغيرة، فماذا نسمي العالم اليوم؟! ليزي موراي، فتاة وُلدت في نيويورك عام 1980 لأبوين مدمنين على المخدرات. وفي سن الخامسة عشرة توفيت والدتها متأثرة بمرض الإيدز، وخرج والدها من حياتها نهائياً. كان الشارع هو البيت الوحيد الذي عرفته، وحيدة بلا عائلة، ولكن كان لديها صديق واحد فقط: دفتر صغير كتبت فيه جملة (لن أسمح لظروفي أن تكتب نهايتي).

كان القدر في صفها، ورعاية الله تعينها، حتى استطاعت إكمال دراستها، إلى أن حصلت على منحة دراسية، وتقدمت إلى جامعة هارفارد، وقُبلت فيها. لم يكن الذكاء وحده هو سبب نجاحها، بل ماضيها البائس الذي كان يلازمها ويدفعها ألا تكون ضحيته. لم تستعطف الناس، ولم تختَر التسول أو الاستسلام للظروف، بل أصرت على أن تجعل من الماضي دافعاً لبلوغ النجاح.

أصبحت كاتبة ومتحدثة تحفيزية، ورمزاً عالمياً لفكرة (الإنسان ليس ما حدث له، بل ما يقرره بعد ذلك). في التواصل الاجتماعي، هناك العديد من الشخصيات المعروفة وغيرها ممن يساعدون الناس على نشر قصصهم المأسوية بزعم تقديم الدعم لهم. ولكن أي نوع من المساعدة يُقدَّم فعلاً؟ السخط على القوانين، والمطالبة بسنّ قوانين أكثر تحميهم، ومحاسبة الجناة. أين هم الضحايا اليوم؟ هل باشروهم كلهم؟ استمر بعض هؤلاء في استخدام منصات التواصل الاجتماعي إلى حدّ التحريض ضد الوالدين، كردّ فعل على آباء يربّون أبناءهم بشيء من القسوة واللين معاً. أصبحت كل أنواع القسوة حتى البسيطة منها تصنف على أنه عنف منزلي، ويصور الأسلوب التربوي على أنه جريمة، ويُقدَّم الوالدان كجناة يعذبون ضحية تُسمى «الابن»، مع تشجيع الابن على التمرد والإساءة، تحت مسميات متعددة، وكأنهم أحرص على الأبناء من ذويهم.

أصبح التواصل الاجتماعي وسيلة قد تُسهم في هدم مشروع استثماري إنساني مهم لدى الوالدين، وهو تربية أبنائهم. أناس خلف شاشات الهاتف يحرضون الأبناء باستخدام مفردات عاطفية بحتة، ويخلقون ضحية قد لا تكون ضحية أصلاً. أصبح بعض الأبناء يلقون باللوم على الوالدين المطلقين عندما يتعرضون للفشل في حياتهم. ولا أقول إنهم ليسوا على حق؛ فالطلاق يلعب دوراً رئيسياً في تفكك الأسرة، ومعاناة الأبناء، ويفتح الباب لأمراض نفسية قد تبقى ملتصقة بهم حتى يكبروا ويؤسسوا أسرهم هم أيضاً.

لكن الإنسان كائن معقد وعجيب، يستطيع أن يهزم كل تلك الظروف متى ما قرر أن يقاومها، ويبحث عن نجاحه بنفسه. ولا طعم لنجاحٍ وُلِد في بيئة مترفة خالية من المشاكل، بل النجاح الحقيقي هو ذاك الذي يحققه الإنسان بعد أن يتخطى الحواجز الصعبة في حياته، ويصل إلى ما لم يصل إليه غيره. هذا الإنسان هو من يستحق أن نقول عنه ناجحاً، وله أثر إيجابي في الحياة، أولاً لنفسه، وأخيراً لمن حوله. يجب علينا أن نصنع أناساً أقوياء ناجحين، لا ضحايا ضعفاء مكسورين، يبحثون عن الحلول عندنا، بينما نحن في الأصل لا نقوى على حلّ جميع مشكلات الناس.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد