: آخر تحديث

العراق... سيرة وطنٍ مختطف!

4
6
4

منذ عام 1958، لم يدخل العراق زمن الدولة بقدر ما دخل زمن الاستيلاء عليها، فذلك التحول العاصف لم يفتح باب الجمهورية المستقرة، بل دشّن عهدًا طويلًا من عسكرة السياسة، وجعل القوة المسلحة طريقًا إلى الحكم بدل أن تكون أداةً لحماية النظام العام، ومنذ تلك اللحظة، بدأ العراق يفقد توازن الدولة لصالح منطق الغلبة، وتحوّل الوطن شيئًا فشيئًا إلى ساحة تتنازعها القوى، لا إلى كيان يحتكم إلى عقد وطني جامع ومؤسسات راسخة، وهكذا بدأ التاريخ العراقي الحديث يبتعد عن فكرة الشراكة المدنية، ويقترب أكثر من فكرة السيطرة بالقوة والغلبة والولاء.

خطف العسكريون الدولة أولًا، لكنهم لم يحسنوا إدارة ما استولوا عليه، انشغلوا بالانقلابات المضادة، وتصفيات الشركاء، وتقاسم الغنائم، فبدوا كمن يسرق بيتًا ثم يعجز عن السكن فيه، وحين استغرقوا في صراعاتهم، نجح خاطفون أكثر دهاءً وتنظيمًا في الإمساك بالعراق: البعثيون، عندها لم يعد الأمر مجرد تبدّل في الواجهة الحاكمة، بل انتقالًا إلى مشروع أكثر إحكامًا في السيطرة على الجيش والأمن والإدارة والحزب، حتى صار العراق محكومًا بمنظومة تذيب الدولة في الحزب، ثم تذيب الحزب في الزعيم، وكانت النتيجة أن الدولة لم تعد إطارًا عامًا للجميع، بل أداةً بيد نخبة تُقصي خصومها وتحتكر الوطن باسم الثورة والقومية والشعارات الكبرى.

ثم بلغت المأساة ذروتها حين لم تعد الدولة ملكًا لحزب شمولي فحسب، بل غدت، عمليًا، ملكًا لشخص وعائلته ودائرته الضيقة، مع صدام حسين، اكتمل اختزال الوطن في إرادة فرد، وتحول الحزب إلى أداة، والدولة إلى ملكية سياسية مقنّعة، والشعب إلى جمهور مطلوب منه التصفيق والخوف معًا، وفي هذا الاختزال المهين للدولة، كان الخراب يتراكم تحت السطح: حروب عبثية، واستنزاف هائل، وعزلة خانقة، حتى بدا العراق وكأنه يُستهلك في خدمة نزوات السلطة، لا في خدمة مواطنيه، وحين تُختزل دولة كاملة في شخص واحد، يصبح سقوطها مسألة وقت، لأن الفردية المطلقة لا تُنتج دولة، بل تُنتج هشاشة مؤجلة وانفجارات كبرى.

وحين جاء الاحتلال الأميركي عام 2003، رُفع شعار تحرير العراق، لكن ما جرى كان إسقاطًا للخاطف القديم من دون بناء دولة متماسكة مكانه، انهار الهيكل، غير أن العراق لم يُسلَّم إلى مشروع وطني جامع، بل إلى فراغ سياسي وأمني سرعان ما تحولت فيه الدولة إلى غنيمة مفتوحة، ومن قلب هذا الفراغ، خرجت الميليشيات لاعبًا متضخمًا، لا يكتفي بمزاحمة الدولة، بل يتغذى على ضعفها، ويتمدد كلما تراجعت هيبتها وانكفأ القانون، وما سُمّي انتقالًا ديمقراطيًا لم ينجح في استعادة الدولة بقدر ما فتح الطريق أمام قوى ما دون الدولة كي تتسلل إلى مؤسساتها، وتفرض سلاحها، وتشارك في حكم بلد يفترض أنه تحرر.

ومنذ وقع العراق في قبضة تلك الميليشيات، بدا وكأنه يُسلَّم بالتقسيط إلى إيران، بكل مقدراته ومنافذه وقراره السيادي، ولم تعد المسألة مجرد نفوذ سياسي أو أمني، بل غدت هيمنة عميقة على مفاصل القرار، حتى كأن طهران نجحت، بوسائل غير مباشرة، في تحصيل بعض ما عجزت عن انتزاعه في حرب الثماني سنوات، وهذه هي المفارقة العراقية الأكثر مرارة: بلد لم ينتقل من دولة إلى دولة، بل من خاطف إلى خاطف، من العسكر إلى الحزب، ومن الحزب إلى العائلة، ومن العائلة إلى الميليشيا.

تبدّلت الوجوه والرايات والشعارات، لكن الوطن بقي أسيرًا، والشعب ظل يدفع الثمن جيلًا بعد جيل، وما لم يُنتزع العراق من منطق الاختطاف كله، لا من أحد خاطفيه فقط، فسيبقى تغيير الوجوه مجرد تبديلٍ لحراس السجن.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.