: آخر تحديث

الدراما.. مرايا المجتمعات

5
4
5

تغريد إبراهيم الطاسان

لم تعد الدراما في عصرنا الحديث مجرد مساحة للترفيه أو ملء ساعات المشاهدة، بل أصبحت واحدة من أكثر الأدوات تأثيرًا في تشكيل الصورة الذهنية عن المجتمعات أمام العالم.

كثيرون يحكمون على الدول والشعوب من خلال ما يشاهدونه على الشاشة قبل أن تطأ أقدامهم أرضها، وقبل أن يخوضوا تجربة العيش فيها أو التعامل المباشر مع أهلها. ولهذا فإن الدراما لم تعد فنًا معزولًا، بل صارت نافذة ثقافية، وعدسة اجتماعية، وأحيانًا وثيقة غير مكتوبة يقرأ من خلالها الآخرون ملامح الأمم.

حين يشاهد العالم أعمالًا درامية عن مجتمع ما، فإنه يلتقط منها إشارات تتجاوز القصة والشخصيات؛ يقرأ القيم، ويرصد طبيعة العلاقات، ويفهم شكل الأسرة، وحدود المجتمع، وموقع المرأة، وطموح الشباب، وحتى طريقة إدارة الأزمات.

من خلال الدراما قد تتكوّن صورة عن مجتمع عنيف، أو بيئة يغلب عليها الفساد، أو واقع تسيطر عليه المخدرات والجريمة. وفي المقابل، قد تعكس مجتمعًا منتجًا، متماسكًا، أخلاقيًا، ومشحونًا بقيم العمل والانتماء.

من هنا، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: أي صورة نريد أن تصل إلى العالم عن مجتمعنا السعودي؟

اليوم، يتصدر اسم المملكة العربية السعودية مساحات البحث والاهتمام والفضول العالمي، ليس فقط بسبب ثقلها السياسي والاقتصادي، بل لما تشهده من تحولات تنموية عميقة جعلتها محط أنظار العالم. وحين يزداد الحضور الدولي لوطن ما، تصبح مسؤوليته في تقديم صورته الثقافية أكثر أهمية، وتصبح الدراما إحدى أهم أدوات هذه المسؤولية.

إنني أؤمن أن الدراما السعودية يجب أن تكون أداة قوية وصادقة في نقل واقع المجتمع وثقافته، لا أن تكون مجرد استنساخ لأنماط درامية مستوردة من مجتمعات لا تشبهنا. فالمشكلة لا تكمن في التأثر الفني بمدارس مختلفة، فهذا أمر طبيعي ومطلوب، لكن الخطر يكمن في أن نفقد ملامحنا الخاصة، وأن نُلبس مجتمعنا ثوبًا ليس له، أو نحمله صفات لا تعبّر عنه.

لابد أن نؤمن أن الصدق هو جوهر الدراما الناجحة. والصدق هنا لا يعني تجميل الصورة أو الاكتفاء بإظهار الإيجابيات. على العكس تمامًا، فالمجتمع الحقيقي هو الذي يظهر بأبيضه وأسوده، بإنجازاته وتحدياته، بقصص نجاحه وبمواطن الخلل فيه.

لا أحد يطالب بدراما مثالية تلمّع الواقع وتخفي عيوبه، لكننا في الوقت ذاته لا نريد دراما تُفرط في تضخيم السلبيات حتى تتحول إلى صورة مشوّهة لمجتمع جميل في جوهره.

وهناك بين التجميل والتشويه مساحة اسمها الحقيقة، وهي ما نحتاجه. فمجتمعنا السعودي مجتمع غني بالقصص الإنسانية العميقة؛ قصص الأسرة، والتحول الاجتماعي، وتمكين المرأة، وطموحات الشباب، والتحولات الاقتصادية، والتغيرات الثقافية، والتحديات النفسية والاجتماعية التي ترافق كل مرحلة انتقالية.

هذه القصص إذا قُدمت بوعي واحتراف، أصبحت قادرة على صنع دراما تنافس عربيًا وعالميًا. في نفس الوقت الذي تكون فيه قوة ناعمة وهامة جدا في نقل الصورة وتشكيل الانطباع.. وكسب احترام واعجاب وتقدير المجتمعات الاخرى

ونحن، بلا شك، نملك الكوادر البشرية القادرة على ذلك؛ من كتّاب، وممثلين، ومخرجين، وفنيين، ومبدعين يحملون حسًا عاليًا بالمسؤولية والموهبة. ما ينقص بعض الأعمال ليس الإمكانات البشرية، بل تغليب المادة على الرسالة، والانشغال أحيانًا بعوامل الإنتاج الظاهري على حساب جودة المحتوى وعمق الفكرة.

لقد رأينا كيف استطاع مسلسل العاصوف قبل، أن يقدّم نموذجًا دراميًا صادقًا وقويًا، نجح في ملامسة الذاكرة الاجتماعية، ونقل جزءًا من التحولات التي مر بها المجتمع السعودي بجرأة وواقعية. كان عملًا يحمل روح المكان والزمان، ولذلك وصل إلى الناس وترك أثره. وما زلنا، حتى اليوم، ننتظر عملًا يوازي قوته وصدقه، لكن للأسف لم يأتِ بعد ما ينافسه بالعمق نفسه.

الدراما ليست رفاهية، هي جزء من القوة الناعمة للدول، ووجه من وجوه السيادة الثقافية التي لا تقل أهمية عن الحضور السياسي والاقتصادي. فالصورة التي تصل إلى العالم عن الوطن لا تُصنع فقط عبر الأرقام والمؤشرات، بل أيضًا عبر الحكاية التي نرويها عن أنفسنا، والرسالة التي نبعثها من خلال فننا.

وحين تكون السعودية اليوم قصة نجاح والهام عالمي في التنمية والطموح والتحول، فإن من حقها أن تمتلك دراما تليق بها، تنقل حقيقتها بصدق، وتحفظ ملامحها، وتُعرّف العالم بجمال مجتمعها، لا كما يُراد له أن يُرى، بل كما هو في جوهره: مجتمع أصيل، واعٍ، ومنتج، يمضي بثقة نحو المستقبل.

فالدراما ليست مجرد مشهد يُعرض، بل وطنٌ يُروى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد