ناهد الأغا
في تلك الزيارة شعرت أنني أدخل فصلاً جديداً من روايةٍ كبرى، فأكثر من ثلاثين عاماً وأنا أقيم في المملكة العربية السعودية، أتنقّل بين مدنها، أعيش إيقاعها، وأراقب تحوّلاتها وهي تكبر بثقة الجبال.
ثلاثون عاماً مرّت كأنها تمهيد طويل لمشهد كان ينتظر لحظته المناسبة، لم تتأخر الفرصة… بل كانت تختار توقيتها بعناية.
كانت زيارتي إلى دارة الملك عبدالعزيز ضمن ملتقى التاريخ الشفوي أشبه ببوابة فُتحت على اتساعها فجأة ،صحيح أنني كنتُ أقرأ كثيراً عن الدارة، وأتابع أخبارها وأقدّر جهودها بوصفها صرحاً ثقافياً يُعنى بالذاكرة الوطنية.
ولأنني مُهتمة بالشأن الثقافي في المملكة، لم أخرج من تلك الزيارة كما دخلت، خرجت بشغف جديد؛ رغبة في أن أتابع أخبار الدارة أولاً بأول، وقد قرأتُ مؤخراً عن استقبال المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، رئيس مجلس إدارة الدارة، صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، لعدد من أفراد أسرة المؤرخ حمد بن لعبون شيخ المؤرخين النجديين ومؤرخ الدولتين في زمن كان الناس فيه يروون الأخبار مشافهة، ويحفظون الأنساب في صدورهم، كان هو يغمس ريشته في مداد الصبر، ويسطر على الورق مجد أمة ،ورأيت في الخبر صورة إنسانية عميقة الدلاله وهذا التكامل الجميل بين الأسرة التي حفظت، والدارة التي توثّق وتنشر وفق أسس علمية رصينة ، وذلك في مقر الدارة بالعاصمة الرياض..
إنَّ هذا الفعل النبيل يحوِّل ألم الفقد إلى أمل الخلود، ويحوِّلُ الماضي إلى نقوش على جدارالمستقبل ،حكمة سامية ترى في تكريم المؤرخ وأسرته استثماراً في رأس المال الرمزي للأمة، وبناء للجسور بين الأجيال..
وهنا، في هذه الذروة من المشهد الذي رأيته يتجلى المعنى الأعمق في الأثر فكل باحث شاب يسمع بهذا النبأ، يشعر في أعماقِه أن ثمَّة منْ يراه، منْ يقدِّر جهده، وأن وطناً ينتظر إنتاجَه العلمي ليرفعهُ إلى مصاف الخالدين، فينعقد العزم في قلبه، ويشتدُّ الأمل في صدرِه، لأنه يعلم أن في هذا الوطن قادة لا ينسون، وفي هذه الأرض الطيبة تربة خصبة تنبت الوفاء وتثمر الخلود، ألا ما أعظمَها من حكمة سامية تنسجها دارة الملك عبدالعزيز، حكمة تدرك أنَّ قوة الأمم بما تحفظ من سير رجالِها، وما تروي من قصص أبطالِها، و سمو الأمير فيصل بن سلمان، وهو يخطو هذهِ الخطوات المباركة في رحاب الدارة، إنَّما يبني بيديه الكريمتين صرحاً ثقافياً من الوفاء، يُرى ببصيرةِ العارفين، ويُحسّ بوجدان المخلصين، وتتناقلهُ الأجيال جيلاً بعدَ جيل، شاهداً على أن هذه البلاد المباركة، بلاد الحرمين الشريفين، وبلاد الملك المؤسس عبدالعزيز طيب الله ثراه ، هي وطن لا ينسى فضل أبنائه، ولا يضيع فيه معروفا، وأن يد الوفاء فيه أطول من يد النسيان..
ويا لها من رسالة تبعث الروح أن تعرف أن لأحلامك قيمة، وأن لجهدك ظل ويبقى الوفاء تاجاً على رأس الزمن، لا يليق إلا بمن عشقوا التاريخ..
فيا أيتها الذاكرة، اطمئني، ففي هذه الأرض رجال لا ينامون عن حفظك، وفي هذه الدارة قلب لا يتوقف عن حبك!
وفي الختام
شكراً للدارة ، شكراً لأنك فتحت أبوابك لذاكرتنا….
شكراً لصاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان حفظه الله.. شكراً لأنك جعلت الوفاء تاجاً على رأس الزمن…
شكراً.. لصحيفة الجزيرة، لأنها فتحت لي هذه النافذة التي أطل منها على القارئ، لأشاركه ما رأيت وما شعرت ، فما أكتبه ليس مدحاً يقال، ولا ثناء يطلب، بل حقيقة أعيش تفاصيلها كل يوم.

