عشتُ بسبب ظروف الحياة والدراسة في مجتمعات مختلفة، بين ثقافتين وقيم متباينة، ثقافة أوروبية وغربية، وثقافة شرقية، لكل منهما عاداته ونُظمه الاجتماعية المميزة. ولست هنا بصدد تقييم التجارب أو السلوكيات كما لو كانت مسائل حسابية، بل أحاول الاقتراب من موضوع الفضول الذي شغلني طويلاً، من باب التوصيف لا النقد.
منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها قدماي أرض الغربة، لم تكن الهجرة مجرد انتقال جغرافي، بل كانت ارتحالاً من منظومة قيمية تُعلي شأن "الجماعة" والتدخل العفوي، إلى منظومة تقدّس "الفرد" وترسم حوله حدودًا غير مرئية من الخصوصية. كانت أشبه بـ"دليل ملاحة" في بحر من السلوكيات الجديدة التي فرضت علينا إعادة صياغة مفهوم الألفة.
في مجتمعاتنا الشرقية، وبالأخص في العراق، يرتبط الفضول غالبًا بالمودة. نحن شعوب نعتقد أن السؤال عن الراتب، والحالة الاجتماعية، وعدد الأبناء، وتفاصيل السكن، هو جسر للتقارب. السائل لا يشعر أنه يقتحم حصنك، بل يظن أنه يفرش لك بساط الأمان، وكأن عدم السؤال علامة برود أو جفاء. في زقاق عراقي أو مقهى في المتنبي، يصبح السؤال المباشر، الذي قد يبدو فجًّا في الغرب، صك اعتراف بوجودك وأهميتك.
لكن خلف هذا الود العفوي يكمن عبء ثقيل، فالفضول الشرقي المفرط لا يتوقف عند حدود الاستفسار، بل يمتد أحيانًا ليغدو "محاكمة اجتماعية" غير معلنة. الخصوصية تُفسَّر أحيانًا على أنها غموض مريب، والتحفظ يُنظر إليه كنوع من التكبر.
وعلى النقيض، تأتي تجربة العيش في الخارج لتعلّمنا أن "المساحة الشخصية" هي أسمى أشكال الاحترام. الحديث عن الطقس أو جمال الحديقة ليس فقرًا في الخيال، بل هو "منطقة آمنة" تسمح للبشر بالالتقاء دون خدش خصوصية الآخر. هناك، يصبح احترام الصمت مهارة لا تقل أهمية عن مهارة الكلام، ويحل الإصغاء محل الاستجواب. الامتناع عن السؤال عن الدخل أو الحالة المادية ليس مجرد قاعدة، بل اعتراف بأن قيمة الإنسان تكمن في جوهره لا في رصيده البنكي.
بين صرامة الخصوصية الغربية وسيولة الفضول الشرقي، يجد المهاجر نفسه في منطقة وسطى، يحمل معه "جينات" السؤال والاهتمام، لكنه يصقلها بوعي المسافة الذي اكتسبه في الغربة. لقد تعلمنا أن الفضول، بالرغم من إلحاحه، ينبع من قلب يكره الوحدة، لكن الخصوصية الغربية تمنحنا الكرامة وتحمي من التطفل. والمفارقة أننا بتنا نقدّر الصمت المهذب في الغربة بقدر ما نبتسم لعفوية رجل في بغداد يسألنا عن راتبنا بالدولار أو أسباب سفرنا الدائم.
شخصيًّا، وجدت الفضول يزداد عند الرجال أكثر من النساء، وظهر في النخب المثقفة أكثر من الناس البسطاء. رأيت العجب، القيل والقال، والنميمة، والفضول المريض، يتضخم في عقل الأكاديمي والكاتب والمثقف، حتى غدا أكثر حضورًا في أروقة العلم منه في مقهى شعبي.
الخلاصة: إن العيش بين ثقافتين يمنحنا "عينين" لرؤية العالم، عين ترى في السؤال عن التفاصيل الشخصية نوعًا من الحميمية التي تكسر وحشة الأيام، وأخرى ترى في الخصوصية سياجًا يحمي قدسية الفرد. ولعل الدرس الأهم من سنوات الغربة هو أن نكون منصتين أكثر منا مستجوبين، وأن ندرك أن الحب والاهتمام لا يحتاجان دومًا إلى علامات استفهام، بل يكفيهما أحيانًا ابتسامة صادقة أو حديث عابر عن جمال الشجر تحت سماء دافئة. الخصوصية ليست عزلة، والفضول ليس دائمًا اهتمامًا، الحكمة تكمن في معرفة متى نفتح الباب، ومتى نتركه مواربًا باحترام.

