الوضع في لبنان يضع أمام إسرائيل، منذ عقود، معضلة استراتيجية معقدة: كيف يمكن كبح حزب الله وتجريده من سلاحه دون الانجرار إلى حرب واسعة باهظة التكاليف، قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي وتضر بعلاقاتها مع دول أخرى في المنطقة.
منذ حرب لبنان الثانية، عام 2006، غيّر تنظيم حزب الله طبيعته من ميليشيا حرب عصابات إلى قوة عسكرية هجينة تمتلك قدرات صاروخية دقيقة، ومنظومات طائرات مسيّرة، وبنية تحتية مدنية تُستخدم كدرع.
أمَّا الحكومة اللبنانية فهي في موقع ضعيف، وعمليًا لا تملك سيطرة حقيقية على الدولة، وتعتمد سياسيًا واقتصاديًا على جهات خارجية. هذا الضعف أتاح، ولا يزال، لحزب الله العمل كـ"دولة داخل دولة"، مع خرق ممنهج لقرارات الأمم المتحدة، وعلى رأسها القرار 1701. وبالنسبة إلى إسرائيل، يعني ذلك غياب جهة رسمية فعّالة يمكن ردعها أو التنسيق معها.
العامل المركزي الذي كان وراء تعاظم قوة حزب الله هو إيران. فقد رأت طهران في التنظيم ذراعًا أمامية على الجبهة الشمالية لإسرائيل ضمن استراتيجية "طوق النار"، حيث شمل دعمها له تمويلاً، وتدريبًا، وتزويدًا بأسلحة متطورة. وبالرغم من الحرب القاسية التي واجهتها مؤخرًا، والتي قد تندلع مرة أخرى، لا تزال طهران تحاول الحفاظ على نفوذها الإقليمي عبر وكلائها، ويُعد حزب الله أبرزهم.
في المقابل، تعمل الولايات المتحدة على كبح التصعيد والحفاظ على الاستقرار. تدعم واشنطن حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، لكنها تمارس ضغطًا لتجنب حرب شاملة في لبنان أو حتى اجتياح يتجاوز نهر الليطاني، وذلك خشية الإضرار بمصالحها في المنطقة. ويُعد القرار الأخير الذي اتخذه الرئيس دونالد ترامب بمنع إسرائيل من تنفيذ هجمات خلال فترة وقف إطلاق النار مع إيران، دليلًا على ذلك. وتتبع أوروبا نهجًا مشابهًا: إدانة لحزب الله مع الدعوة إلى ضبط النفس الإسرائيلي، ومحاولة دعم مؤسسات الدولة اللبنانية.
إن الحرب التي اندلعت في 8 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 بين حزب الله وإسرائيل أضعفت التنظيم بشكل ملحوظ، لكنها لم تقضِ عليه. كما أن الضربات التي تلقتها إيران في المواجهات الأخيرة أدت إلى تقليص كبير في إمدادات السلاح والتمويل، ما جعل حزب الله في أضعف حالاته منذ تأسيسه. ومع ذلك، لا يزال يشكل قوة تهدد الحكومة اللبنانية وأمن شمال إسرائيل.
التطورات الأخيرة تضع أمام إسرائيل ثلاث خيارات رئيسية:
الأول، الاستمرار في "المعركة بين الحروب" عبر ضربات محدودة تستهدف مواقع التنظيم في شمال لبنان بهدف سحق قدراته دون الانجرار إلى حرب شاملة. هذه استراتيجية فعّالة على المدى القصير، لكنها محدودة التأثير على المدى البعيد دون معالجة الدور الإيراني.
الثاني، شن عملية عسكرية واسعة في لبنان تستهدف البنية التحتية لحزب الله بشكل حاسم. ميزتها تكمن في إمكانية إضعاف التنظيم جذريًا وفرض واقع جديد، لكن كلفتها قد تكون مرتفعة جدًا، سواء من حيث الأضرار في الجبهة الداخلية الإسرائيلية أو الضغوط الدولية التي قد توقف العملية قبل تحقيق أهدافها.
الثالث، تنفيذ عمليات عسكرية محدودة ومستمرة ضد عناصر الحزب في الجنوب اللبناني، بالتوازي مع ضغط دبلوماسي دولي، بالتعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا، لتمكين الحكومة اللبنانية من تطبيق قرارات الأمم المتحدة بشكل أكثر فاعلية. هذه مقاربة بطيئة ومعقدة، لكنها تحمل إمكانية تحقيق استقرار طويل الأمد إذا توفّر دعم دولي حقيقي لبيروت.
في المحصلة، يتعين على إسرائيل تحقيق توازن دقيق بين الردع العسكري وإدارة المخاطر الإقليمية. التحدي ليس عسكريًا فقط، بل منظومي: كبح نفوذ إيران، وتعزيز مؤسسات الدولة في لبنان، والحفاظ على حرية العمل الأمني دون الانزلاق إلى حرب شاملة أو احتلال واسع النطاق في لبنان قد يؤدي إلى سقوط عدد كبير من الجنود، ويثقل كاهل الاقتصاد الإسرائيلي، ويضر بمكانتها الدولية.


