: آخر تحديث

مملكة الخوف... حين تتحول العاطفة إلى سياسة

6
6
5

في كتابها «مملكة الخوف... رؤية فيلسوف لأزماتنا السياسية»، تقدّم الفيلسوفة الأميركية مارتا نوسباوم، قراءة دقيقة لواحدة من أكثر العواطف الإنسانية بدائية وتأثيراً: الخوف.

العنوان، للوهلة الأولى، قد يوحي بنظام حكم ملكي، لكنه في جوهره يشير إلى حالة أعمق، حالة هيمنة نفسية وسياسية، حيث يصبح الخوف أداة للسيطرة، بغضّ النظر عن شكل النظام السياسي.

ترى نوسباوم أن الخوف ليس مجرد انفعال عابر، بل هو عاطفة متجذرة في الوعي الإنساني منذ نشأته الأولى، مرتبطة بإحساس الإنسان بالهشاشة والعجز. وفي لحظات اشتداده، يعيد هذا الخوف إنتاج حالة طفولية كامنة، حيث يتوق الإنسان إلى عالم يتمحور حوله، عالم يوفر له الحماية المطلقة ويضعه في مركز الكون.

غير أن هذه الحالة لا تبقى فردية، فحين تتسع دائرة الخوف، تتحول إلى ظاهرة اجتماعية. هنا، تبدأ المجتمعات القلقة في البحث عن «كبش فداء» تُسقِط عليه إخفاقاتها وإحباطاتها. قد يكون هذا الآخر أقلية مهمشة، أو مثقفين يرفضون الامتثال للرأي السائد، أو حتى أفراداً يختلفون في الرأي. في كل الأحوال، يصبح الاختلاف تهمة، والوعي خطراً.

وتحذّر نوسباوم من التحول الأخطر: انتقال الخوف إلى غضب. لكنه غضب من نوع خاص، غضب غير عقلاني، لا يسعى إلى إصلاح أو تقويم، بل يتغذى على الرغبة في الانتقام. في هذا السياق، تنتقد الكاتبة النزعة الانتقامية التي قد تتسلل إلى الثقافة السياسية والقانونية، حيث تُختزل العدالة في العقاب بدافع التشفي، لا بدافع الإصلاح أو تحقيق الإنصاف.

وتضيف بُعداً آخر لهذه الدائرة المظلمة: «الاشمئزاز»، فهذه العاطفة، المرتبطة بالخوف من المرض والموت، تتحول أحياناً إلى مبرر للإقصاء، إذ يُعاد تصوير جماعات بأكملها على أنها «ملوثة» أو «نجسة»، بما يبرر تهميشها أو استبعادها. التاريخ، كما تشير نوسباوم، يقدّم أمثلة صارخة على ذلك، من التمييز العنصري إلى أشكال الإقصاء الاجتماعي والسياسي التي لا تزال حاضرة في مجتمعات عديدة.

في هذا السياق، يبدو طرح نوسباوم امتداداً حياً لأفكار أدورنو حول «الشخصية السلطوية». فكما أوضح أدورنو، فإن الخوف الكامن يمكن أن يتحول إلى خضوع أعمى للسلطة، وعداء مُسقَط على «الآخر» المختلف. إنها بنية نفسية وسياسية تتغذى على القلق، وتعيد إنتاجه في شكل هيمنة وإقصاء.

 ما تكشفه «مملكة الخوف» ليس فقط هشاشة الفرد، بل أيضاً هشاشة الثقافة حين تُدار بالخوف لا بالعقل. إنها دعوة للتأمل في المجتمعات التي تُبنى على القلق والريبة، حيث يصبح الخوف ليس مجرّد حالة نفسية، بل نظاماً كاملاً يعيد تشكيل الوعي والسلوك والسياسة.

في النهاية، لا تكتفي نوسباوم بالتشخيص، بل تلمّح إلى ضرورة استعادة القيم الإنسانية التي تقاوم هذا المسار: التعاطف، والعقلانية، والقدرة على الاعتراف بالآخر. فبدون ذلك، تبقى «مملكة الخوف» مفتوحة على احتمالات لا تقل قسوة عن تلك التي حذّرت منها.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد