عبدالرحمن الحبيب
تتنوع التحديات المعروفة التي تواجه البلدان، وإذا أضفنا ظهور تحديات جديدة لم تكن موجودة سابقاً مثل تغير المناخ والتطور التكنولوجي المتسارع، فإن أمام الحكومات يوميًا قائمة متزايدة من التحديات المعقدة والمتشابكة التي تتطلب اهتمامها؛ فبرأيك، ما هي أهم مشكلة تواجه بلدك حاليًا؟
طُرح هذا السؤال في دراسة عالمية جديدة أجرتها مؤسسة غالوب بهدف إبراز القضايا التي يرغب الناس بشدة أن يحلها قادتهم، حيث شملت استطلاع آراء عينة من الناس في 107 دول، وعُرضت في قمة الحكومات العالمية 2026.
أظهرت النتائج أن الفئة الاقتصادية (مستوى المعيشة، والأسعار، والأجور) احتلت المرتبة الأولى في جميع المناطق باستثناء أمريكا الشمالية (التي تضم الولايات المتحدة وكندا)، حيث برزت السياسة كأكثر القضايا نقاشًا.
من البديهي أن يحظى الاقتصاد بالأهمية الأولى لدى الناس في البلدان المستقرة، إلا أن الدراسة تستطلع أيضاً تفاصيل كل فئة، كما أنه في البلدان غير المستقرة يأتي فيها الأمن والسلامة في المقام الأول، ولكن بشكل عام تختلف الأولويات بعد الاقتصاد باختلاف المنطقة وفقًا للدراسة.
ففي منطقة آسيا والمحيط الهادئ وأوروبا، تأتي السياسة (الإنفاق الحكومي، والديون، والضرائب، والفساد) في المرتبة الثانية، بينما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ودول الاتحاد السوفيتي السابق، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تبرز قضايا العمل (البطالة، والتوظيف، وبيئة العمل) بشكل أكبر، في حين يأتي الأمن والسلامة (الجريمة، والعنف، والاتجار بالمخدرات/ البشر، والسلامة العامة، والحرب، والصراع) في المرتبة الثانية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، ولكنه يتراجع إلى المرتبة الثالثة في معظم المناطق الأخرى.
كانت النسبة المئوية من المتوسطات العالمية لأهم المشاكل الوطنية المتصورة، كالتالي: الاقتصاد (23%)، العمل (10%)، الأمن والسلامة (8%)، الغذاء والسكن (3%)، القضاء الاجتماعية (3%)، البيئة وتغير المناخ (3%)، الصحة (3%)، التعليم (2%)، الهجرة (1%)، البنية التحتية (1%).
إذا كان من المتوقع أن يشير سكان الدول ذات الدخل المنخفض إلى أولوية المشكلات الاقتصادية ومخاوفهم بشأن توفير الاحتياجات الأساسية بشكل أكثر تكرارًا من سكان الدول ذات الدخل المرتفع، فإن مشاعر الناس تجاه دخل أسرهم تُؤثر على تصوراتهم بشكل أكبر بكثير من معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، كما توضح الدراسة.
علاوة على ذلك، فأنه على الرغم من أن ارتفاع معدلات البطالة يرتبط بزيادة القلق في قضايا العمل إلا أن مشاكل العمل لا تقتصر على البطالة فحسب، إذ تشير الدراسة أن جودة الوظائف (وخاصةً نقص الوظائف الجيدة) تُعدّ عاملاً رئيسياً في المخاوف العالمية بشأن العمل.
وبطبيعة الحال، في البلدان التي تشهد نزاعات عنيفة أو عدم استقرار، تهيمن قضايا الأمن والسلامة الجسدية على الرأي العام، وغالباً ما تطغى على القضايا الاقتصادية والسياسية. أما في البلدان الأكثر سلماً، فنادراً ما يكون الأمن أولوية قصوى، مما يُؤكد كيف يُتيح الاستقرار للناس التركيز على التحديات الوطنية الأخرى.
تخلص الدراسة إلى أن الناس يقيسون التقدم الوطني من خلال تجاربهم اليومية: هل يعيشون حياة كريمة، ويعملون بكفاءة، ويثقون بقادتهم، ويشعرون بالأمان؟ إذ تهيمن القضايا الاقتصادية على العالم أجمع، لا سيما بين الشباب والنساء. وتتراوح هذه المخاوف بين تلبية الاحتياجات الأساسية في البلدان منخفضة الدخل ومواجهة ارتفاع تكاليف السكن في الدول الأكثر ازدهارًا؛ ويقيّم الناس صحة اقتصاد أي بلد بناءً على مدى شعورهم بالقدرة على العيش الكريم، وليس بناءً على نمو الناتج المحلي الإجمالي.
في الدول التي ترتفع فيها معدلات البطالة، يتصدر التوظيف بطبيعة الحال قائمة الأولويات الوطنية، إلا أن مخاوف التوظيف لا تقتصر على البطالة فحسب، بل تشمل أيضاً جودة العمل، وسلامة مكان العمل، وكرامة العامل بحسب الدراسة. مع ذلك، حتى في الدول التي تتوفر فيها فرص عمل وفيرة، يبقى العاملون متخوفين من واقع العمل نفسه؛ لذلك فإن حل المشكلات المتعلقة بالتوظيف يتطلب خلق فرص عمل جديدة وإصلاح بيئات العمل التي لا تدعم الموظفين.
بالنسبة للدول الأكثر ثراءً، خلصت الدراسة إلى أن عدم الرضا السياسي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقة بالمؤسسات، فعندما يفقد الناس ثقتهم بأداء الحكومة، أو القضاء، أو النزاهة، فإنهم ينظرون بشكل متزايد إلى السياسة نفسها على أنها المشكلة، ومن ثم فإن بناء الثقة في المؤسسات، بدءًا من الخدمات المحلية ورفاهية المجتمع، يُرسخ دعائم الشرعية السياسية.
وتختم الدراسة خلاصتها أنه في البلدان التي تشهد صراعات كبرى، غالبًا ما تُطغى المخاوف الأمنية على جميع القضايا الأخرى. وتشير البيانات إلى أن السلام والاستقرار يُمهدان الطريق لتحقيق التقدم في النمو الاقتصادي، والرفاه الاجتماعي، والإصلاح المؤسسي؛ فالسلام والاستقرار هما الأساس الذي تعتمد عليه كافة أشكال التقدم الأخرى.

