يخبرنا خطاب وزير الخارجية ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي حظي بتصفيق حار لفترة وجيزة، بشيء مهم عن عالم العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. لو ألقى الخطاب نفسه أي سياسي جمهوري منذ حرب العراق حتى أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لاعتُبرت أفكاره وموضوعاته رجعيةً في جوهرها، وربما يكون ذلك مفهوماً بالنظر إلى التدين الأميركي والنزعة القومية المتطرفة هناك، لكنها بالتأكيد ليست نبرةً ينبغي أن يرحب بها الأوروبيون المتطورون والتقدميون.
لكن الآن، فإن الدعوة إلى مراقبة الحدود، وإعادة بناء القوة العسكرية والصناعية، ومنح الأولوية للمصالح الوطنية على المؤسسات الدولية، وللحضارة الغربية على المواطنة العالمية، وكلها متجذرة في رؤية للعلاقة عبر الأطلسية باعتبارها امتداداً لتراث أوروبا المسيحي وماضيها في بناء الإمبراطوريات وإرسال المبشرين. حسناً، إذا كانت هذه الرؤية اليمينية للعلاقة الأوروبية الأميركية هي ما يتطلبه الأمر لإبقاء الولايات المتحدة مستمرة في التزاماتها إزاء حلف الناتو، فإن بعض النخب الأوروبية على الأقل مستعدة للوقوف والتصفيق.
تلك هي، في واقع الأمر، الصفقة التقريبية التي يعرضها اليمين الأميركي على أوروبا في الوقت الراهن. كان هناك الكثير من الحديث عن احتمال تخلي الشعبوية الأميركية عن تحالفنا الأوروبي. بيد أن الأقرب إلى الصواب هو القول إن اليمين الأميركي غالباً ما يتماهى بشدة مع أوروبا، لكن أوروبا التي يرغب في حبها ليست أوروبا التي بُنيت على مدى الأجيال القليلة الماضية، لذا يحاول المحافظون الأميركيون تغيير ما يحبونه ثمناً لمودتهم.
وهذا يترك النخب الأوروبية أمام مجموعة معقدة من الخيارات.
بصفتي محافظاً أميركياً ذا ميول أوروبية، أعتقد بطبيعة الحال أن الخيار الأول هو الأفضل لمستقبل أوروبا. مجرد ارتباط رسالة ما بالرئيس دونالد ترمب لا يجعلها تستحق التجاهل، وستكون أوروبا في وضع أفضل من جميع النواحي تقريباً إذا تحركت في الاتجاه الذي اقترحه خطاب روبيو: ستكون أكثر استقراراً سياسياً إذا نجحت في الحد من الهجرة الجماعية، وأكثر ديناميكية إذا اختارت تحرير الاقتصاد بدلاً من التراجع في الصناعة، وأكثر تفاؤلاً وإبداعاً وخصوبة إذا استعادت الإيمان الديني، وأكثر قدرة على الدفاع عن مُثُلها إذا أنفقت المزيد من الأموال على الدفاع.
لكن على المحافظين الأميركيين أن يكونوا واضحين بشأن التوترات الكامنة في دعوتهم للتغيير الأوروبي.
التوتر الأكثر عمومية يتمثل في أن المحافظين الأميركيين يميلون إلى التقليل من شأن مدى التحول الأوروبي - التحول، بمرور الوقت، من القوة إلى الضعف، ومن الثقة بالنفس إلى الانحطاط - الذي شجعه بنشاط أصحاب النفوذ الأميركيون.
في خطابه في ميونيخ، روى روبيو قصةً عن الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حيث أنقذ التحالف عبر الأطلسي أوروبا من انتصار الشيوعية ومن انحطاط ما بعد الإمبراطورية. غير أن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. من فرانكلين روزفلت الذي ضغط على وينستون تشرشل لإضعاف الإمبراطورية البريطانية إلى دوايت أيزنهاور الذي عامل فرنسا وبريطانيا ببرود واضح في أزمة السويس، غالباً ما شجعت السياسة الأميركية أوروبا على التراجع عن دورها كقوة عالمية.
في الواقع، يقترح المحافظون الأميركيون اليوم أن النخب الأميركية السابقة كانت غالباً على خطأ، وأن تشرشل وشارل ديغول، وكذلك جاك شيراك، كانوا غالباً على حق (في الواقع، قال جي دي فانس ذلك صراحة العام الماضي). حتى لو كانت هذه النصيحة الجديدة جيدة، فإنها لا تزال تبدو وكأنها خيانة بالنظر إلى الاختلاف الجذري في المطالب التي سبقتها.
ويمكن أن يُغفر للأوروبيين تساؤلهم عما إذا كانت النصيحة الجديدة مختلفة تماماً عن النصيحة القديمة، لأن المحافظين الأميركيين لا يستطيعون دائماً تحديد نوع أوروبا اليمينية التي يرغبون في رؤيتها.
في بعض الأحيان، كما في خطاب روبيو، تكون أوروبا قوية عسكرياً ومنفتحة على الخارج وموجهة نحو النمو. لكن في أحيان أخرى، كما في تعاطف الشعبويين الأميركيين مع بعض أنماط القومية الأوروبية الأكثر انطوائية وحمائية، تبدو أوروبا وكأنها قارة محصنة ومتقلصة ومجزأة. قارة تقلص الهجرة، وتبقى بعيدة عن طريق أميركا على الساحة العالمية، وتدير تراجعها بطريقة ملائمة للسياح الأميركيين الذين يحبون الكنائس القديمة والطعام الجيد.
بعبارة أخرى، ليس من الواضح دائماً ما إذا كان اليمين الأميركي سيرحب حقاً بأوروبا طموحة وديناميكية وعلى نهج ديغول، أم أنه يفضل بيروقراطيين يمينيين على غرار «زان ليبيات»، ديكتاتور إنجلترا المحتضرة في رواية ب. د. جيمس النبوئية «أطفال الرجال»، الذي يعمل أمين متحف لمجتمع في حالة انحسار. قال روبيو في ميونيخ: «لا نريد أن يكون حلفاؤنا ضعفاء». ولكي تتغير العلاقات عبر الأطلسي بالطريقة التي يرغب فيها، يجب إثبات صحة هذا الوعد. لأننا منذ عهد آيزنهاور وحتى عهد ترمب، غالباً ما أعطينا الأوروبيين أسباباً وجيهة للتفكير بخلاف ذلك.
* خدمة «نيويورك تايمز»

