: آخر تحديث

إكبارُ النفوس

3
4
4

 

خلقَ الله الخلق، جعل منهم أصحاب هممٍ ونفوسٍ طموحةٍ، يسعونَ لنيلِ المعالي، ولتحقيق غاياتٍ عِظام، يرهقون أجسادهم وعقولهم وأذهانهم، بما يحلمونَ بتحقيقه ونيله وتوفيره لغيرهم قبل أن يكسبوه لأنفسهم، ذلك لإيثارهم.

إذا كانَ الإنسان عاليَ الهمّة، كبير النفس؛ تاقت نفسه إلى معالي الأمور وسنامها؛ إذ إنّ هذه السمات تتطلبُ إمعانَ الفكر والعقل، مع بذلِ الغالي والنفيس من مالٍ وجاهٍ وجهادٍ، مع إرادةٍ، ونيّة صادقة، "إذا كانت النفوس كبار... تعبت في مرادها الأجسامُ"، فالنفوس الكبار لا تقبل الهوان والدعة والراحة والاسترخاء، بل تجدُّ وتجتهد لتنالَ ما تحلمُ به، أو تراودها نفسها إليه، هكذا هو الإمام محمد بن سعود -غفر الله له ولوالديه ولعقبه- حينما فكّر في تأسيس دولة، تلمُّ وتحتضن مجتمعه، فأخذَ يمعنُّ فِكرَه، ويبذلُ كُلَّ المقوّمات لتحقيق آماله وآمال من حوله، فتحقق ذلك في العام 1727م، فبدأ ببسط نفوذه وتوفير متطلبات العيش الكريم لمن حوله، فصار له دولة، وكيان، فجزاه الله خير الجزاء على ما بذر وبذل. فما ينعمُ به جيل اليوم، إلا ثمرة من ثمرات ذلك البذر، وحصادٌ منه، وغرس تلك الهمّة والعزيمة في نفوس أبنائه، ولذا ابنه الإمام تركي استرد دولة أبيه، في العام 1824م، وما هذا إلا نتاج جهدٍ مُبارك وعزمٍ وعزيمة. فما استعادة دولة أبيه إلا نتاجُ صبرٍ وجهدٍ وقوةِ بأس.

ويأتي الإمام المغفور له -بإذن الله تعالى- الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن؛ ليُعيدَ الحقَّ إلى مكانه، ولتنهضَ الدولة مرةً ثالثة. فالملكُ عبد العزيز صاحب هُممٍ عالية، وطموحٍ فذ، وشجاعةٍ جسارة، رغم صغر سِنّه، وقلة حيلته، وضعف موارده إلا أنّ نفسه الكبيرة وقوّة بأسه، جعلت منّه صلابة بعد توفيق الله. ويتحققُ له ذلك بعد جهادٍ استمرَ لأكثر من ثلاثين عامًا حينما فتحَ الرياض في العام 1319هـ الموافق 1902م.

وتسير النفوس الكبار؛ لتحقيق مزيد طموح، فيأتي أبناؤه من بعده، أصحاب الهمم العالية، والنفوس الكبار، الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله -رحمة الله عليهم-؛ ليجعلوا اللبنة فوق الأخرى، يُسلمون الراية من عظيمٍ إلى عظيم. ويجيء عهد سلمان الخير، والابن الحفيد ولي عهده الأمين محمد بن سلمان بن عبد العزيز -حفظهما الله-؛ ليصنعا من ذلك اليوم المجيد عهداً وحاضراً جديداً، تنعم به أجيال اليوم والغد السعيد، ويكونَ الطموح عنان السماء، كجبال بلادهما، فأمعن فكرهما وجهدهما وعقلهما وسهر ليلهما؛ ليجعلا من طموح أجدادهما وآبائهما شيئًا مذكورًا، يُرَى ويُسمع ويُتعايش معه. نعم "على قدر أهل العزم تأتي العزائم... وتأتي على قدر الكِرام المكارم".

نعم، ترتبط عظمة النفوس بعظمة الإنجاز، نعم "إذا غامرت في شرفٍ مرومِ... فلا تقنع بما دونِ النجومِ". نعم النفوس الكِبار لا تقنع إلا بتحقيق العظيم من الإنجازات، فما تعيشه المملكة العربية السعودية، من إنجازاتٍ تفوقُ الخيال إلا ثمرة من ثمرات ذلك الجهد المُتراكِم. وما تحقيق الرؤية الوطنية المُباركة 2030 إلا نتاج تلكم النفوس الكبيرة العظيمة التي لا تعرف إلا علوِّ الهِمّة والعزيمة والظفر بما ترنو إليه النفوس، عالية الهِمّة، ذلكَ أنّ كِبار النفوس تأبَى عن النومِ وتتجافى جنوبها عنه؛ حيثُ الجادةُ طويلة، والرغبة طامحة، والعزمُ لا يلين، بعد التوكل على الله، ولذا تساءل فخامة الرئيس الأمريكيّ دونالد ترمب عن كِفاية نوم صاحب السمو الملكيّ الأمير محمد بن سلمان -ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، رئيس العديد من اللجان والهيئات- فتساءل هل يكفي لراحة جسده؛ لِما رآه من همّته وعزيمته لنيلِ المعالي، "فما نيل المطالب بالتمني... ولكن تؤخذ الدُنيا غِلابا"، ذلك لِما يرنو إليه لرِفعَة شعبه. ولِمَ لا؟! وهو ابنُ سلمان، وحفيدُ الموحّد والمؤسس، الذين جعلوا من الحلم حقيقة وواقعًا مُعاشًا. هكذا هيَ هِممُ الكِبار، وهكذا هي النفوس الكبيرة تجعلُ من الحلم حقيقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد