: آخر تحديث

من تطوير السوق.. إلى تعميق الثقة

3
4
3

في المقال السابق تناولنا تطوير البنية التنظيمية للسوق المالية السعودية، وتحدثنا عن أدوات تعميقها من حيث آليات التداول، ودورات التسوية، وصناعة السوق، وإدارة المخاطر. لكن تطوير الإطار الخارجي للسوق يقودنا إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا عن الداخل؟ ماذا عن الشركات نفسها؟ إذا كانت السوق قد قطعت شوطًا مهمًا في تحديث بنيتها، فإن المرحلة التالية من النضج قد لا تتعلق بسرعة التداول أو مرونته فقط، بل بأداة أكثر تأثيرًا وعمقًا.. وهي التصنيف الائتماني للشركات المدرجة.

المملكة اليوم تتمتع بتصنيفات سيادية قوية؛ فقد أكدت وكالة (Fitch) تصنيفها عند (A+) بنظرة مستقبلية مستقرة، وثبتت (Moody’s) تصنيفها عند (A1)، فيما صنفتها (S&P) عند (A) مع نظرة مستقرة. هذه التصنيفات تعكس قوة المركز المالي للدولة، واستقرار سياستها المالية، ومتانة احتياطاتها. إنها شهادة ثقة دولية في ملاءة الاقتصاد السعودي.

لكن إذا كانت الدولة تُقاس بالثقة عالميًا، فالسوق الحقيقي يُقاس بشركاته. وهنا يبدأ السؤال الطبيعي: هل حان الوقت لتعميق ثقافة التصنيف الائتماني (Credit Rating) داخل الشركات المساهمة العامة؟ التصنيف الائتماني ليس رقمًا تجميليًا في تقرير سنوي، بل أداة احترافية لقياس الجدارة الائتمانية (Creditworthiness) وتقييم المخاطر (Risk Assessment). وجود تصنيف رسمي يمنح المستثمر المؤسسي وضوحًا أعلى، ويخفض علاوة المخاطر (Risk Premium)، ويعزز كفاءة التسعير (Price Efficiency)، ويفتح الباب أمام صناديق عالمية لا تستثمر إلا في جهات مصنفة.

السوق المالية السعودية أصبحت من الأكبر في المنطقة من حيث القيمة السوقية، لكن عمق السوق لا يُقاس بالحجم وحده، بل بمدى وضوح أدوات قياس المخاطر داخله. الشركات التي تحصل على تصنيف رسمي لا تعزز صورتها أمام المستثمر فقط، بل تعزز ثقافتها المؤسسية: انضباط مالي أعلى، إدارة تدفقات نقدية أكثر دقة، حوكمة أقوى، وقرارات تمويل أكثر اتزانًا.

وفي ظل توسع سوق أدوات الدين في المملكة ضمن مستهدفات رؤية 2030، يصبح التصنيف عنصرًا طبيعيًا في منظومة التطوير. فتعميق سوق الصكوك والسندات لا يكتمل دون تقييم احترافي للجدارة الائتمانية للشركات المصدرة. وكلما ارتفع مستوى الشفافية، ارتفع مستوى الثقة، وانخفضت تكلفة التمويل.

لا يعني ذلك أن يكون التصنيف إلزاميًا فورًا على جميع الشركات المدرجة، فالسوق يتطور تدريجيًا. لكن قد يكون من المناسب دراسة تحفيز الشركات الكبرى أو النشطة في إصدار أدوات الدين للحصول على تصنيف رسمي، سواء عبر مزايا تنظيمية أو تشجيع على الإفصاح المعزز. الهدف ليس فرض عبء جديد، بل تعزيز ثقافة نضج مالي تواكب مكانة السوق.

في المقال السابق تحدثنا عن تحديث آليات التداول وتعزيز إدارة المخاطر. واليوم نكمل الصورة من الداخل: فالسوق الذي يطور بنيته يحتاج أيضًا إلى تطوير معايير قياس الشركات داخله. الانتقال من «سوق كبير» إلى «سوق مؤثر عالميًا» يتطلب أدوات عالمية في التقييم، لا في التداول فقط.

الملاءة المالية (Financial Solvency) التي تتمتع بها الدولة لا تكتمل إلا عندما تنعكس داخل شركاتها. وحين تُقاس الشركات بمعايير احترافية واضحة، يصبح السوق أكثر عمقًا، والاقتصاد أكثر صلابة، والثقة أكثر استدامة.

المملكة بنت ثقة عالمية في اقتصادها خلال سنوات قليلة، واليوم تقف أمام فرصة لتعميق هذه الثقة داخل سوقها المالي. من ملاءة الدولة إلى ملاءة الشركات، تكتمل دائرة النضج. وحين تتكامل قوة الاقتصاد مع شفافية الشركات، يصبح السوق السعودي ليس الأكبر إقليميًا فحسب، بل من أكثر الأسواق ثقة وتأثيرًا عالميًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد