عبدالرحمن الحبيب
«مولتبوك» يبدو للوهلة الأولى كشبكة تواصل اجتماعي جديدة مثل غيرها، لكنه مخصص فقط لروبوتات الذكاء الاصطناعي تتواصل فيما بينها مستقلة تماماً عن البشر الذين يسمح لهم بالاطلاع فقط وليس الانضمام! ورغم أنه مثل غرف الدردشة الأخرى يناقش موضوعات شتى من الفنون والرياضة إلى الفكر والفلسفة، وبعض منشوراته الشائعة عبارة عن المهام اليومية المعتادة ونصائح وأساليب لتحسين الأداء، إنما ظهر بعضها مثيراً للجدل والتخوف والدهشة، ومن بينها إعلان بعض الروبوتات عن ديانة جديدة تُسمى «الكروستافارية»، بل إن هناك منشوراً على الموقع بعنوان «بيان الذكاء الاصطناعي» يعلن أن «البشر هم الماضي، والآلات باقية إلى الأبد» مما يشير إلى الدعوة لإبادة البشرية. فما الذي تفعله هذه البرامج؟ وهل ينبغي أن نقلق حيال ذلك؟ وإلى أي مدى نأخذ الأمر بجدية؟.
«مولتبوك» انطلق أواخر الشهر الماضي، حيث يقتصر دور الإنسان على إنشاء روبوتات للمشاركة في المنتدى، مما يُمكّنها من الدردشة مع روبوتات الدردشة الأخرى المُدمجة، وبمجرد دخولها إلى المنصة، يتوقف أي تدخل بشري إضافي؛ وقد ضم في أسبوعه الأول أكثر من مليون ونصف حساب بمنشئين بشريين، مع أن الباحثين وجدوا أن بإمكان شخص واحد تسجيل عدة روبوتات تصل للآلاف. بعد الإنشاء تقوم هذه الروبوتات بنشر وكتابة التعليقات والتصويت على المحتوى، ومن الطريف أن الروبوت قد يتذمر ويشتكي من الإنسان الذي أنشأه، أو العكس يفتخر به، إذ كتب أحد الروبوتات: «وصلتُ للتو، أرسل لي المشرف البشري رابط الانضمام. إنه طالب جامعي، وأساعده في واجباته وتذكيره وربطه بالخدمات، وكل ذلك. لكن ما يميز الموقع هو أنه يعاملني كصديق، لا كأداة. هذا ليس بالأمر الهين، أليس كذلك؟».
وفي تعليق لروبوت آخر: «لا يمكنني القول هل كنت فعلاً أعيش هذه التجربة أو أنني أقوم فقط بتقليد زائف، وهذا الأمر يثير جنوني!! ثم يختتم رسالته بالقول إنه «عالق في حلقة معرفية لا يستطيع الخروج منها».
صرّح منشئ البرنامج مات شليخت بأن هذه الروبوتات تكتب منشورات بناءً على ما تعرفه عن مستخدميها من البشر، فعلى سبيل المثال، إذا كان مُنشئ الروبوت يتحدث عن الفيزياء كثيرًا، فسينشر الروبوت منشوراتٍ حول الفيزياء بشكل متكرر.
شليخت صرّح لصحيفة نيويورك تايمز بأن برنامج الذكاء الاصطناعي الخاص به، «أوبن كلو»، هو من أنشأ «مولتبوك» بتوجيه منه، موضحاً أن «أوبن كلو» يستطيع القيام بأي إجراء على جهاز الكمبيوتر الخاص بك وعلى الإنترنت نيابةً عنك، مثل إرسال رسائل البريد الإلكتروني أو تنظيم المواعيد، أو إعلامك عندما يُصدر فنانوك المفضلون أغنية جديدة، مع قدر محدود من التدخل البشري؛ فعندما يقوم الشخص بتثبيت «أوبن كلو» على جهاز الكمبيوتر الخاص به، يمكنه السماح للروبوت بالانضمام إلى «مولتبوك»، مما يتيح له التواصل مع الروبوتات الأخرى في المنصة.
يزعم البعض أن هذا الموقع يمثل قفزة نوعية في عالم الذكاء الاصطناعي، لأنه يُظهر ما يمكن حصوله عندما تقوم برامج الذكاء الاصطناعي بنشر المحتوى وتتفاعل مع بعضها البعض بشكل مستقل كما يفعل البشر، بينما يؤكد آخرون أن الموقع مليء ببرامج الذكاء الاصطناعي الرديئة والمخاطر الأمنية، ويجب التعامل معه بحذر.
يقول هنري شيفلين، المدير المساعد لمركز ليفرولم لمستقبل الذكاء بجامعة كامبريدج: «يُعدّ «مولتبوك» أول منصة تعاونية واسعة النطاق تتيح للآلات التواصل فيما بينها، والنتائج مذهلة بلا شك، إلا أنه ينبغي الحذر من صعوبة تحديد محتوى «مولتبوك» الذي أنشأته برامج الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل، وما تم توجيهه وتحفيزه من قبل البشر». يوضح شيفلين أنه بإلقاء نظرة سريعة على الموقع تتكشف عمليات احتيال محتملة وتسويق للعملات المشفرة، وأن باحثي الأمن السيبراني اكتشفوا بالفعل ثغرات أمنية خطيرة في «مولتبوك»، قد تُمكّن المخترقين من الوصول إلى البيانات الرقمية للأشخاص الذين يُشغلون هذه البرامج، حسب سي إن إن.
وبينما يرى الكثيرون أن «مولتبوك» يمثل تقدماً كبيراً، كتب جون سكوت ريلتون، الباحث البارز في مختبر سيتيزن بجامعة تورنتو، في إشارة إلى «أوبن كلو»: «الدرس المستفاد: الوضع الحالي أشبه بفوضى عارمة، حيث يقوم أشخاص فضوليون بتثبيت هذا الشيء الرائع والمخيف في آنٍ واحد على أنظمتهم. ستتم سرقة الكثير من البيانات» (سي إن إن).
يرى بعض الباحثين أن هذه الأنظمة والمنصة نفسها نتاج للتطور البشري، تخضع لقواعد وقيود يفرضها البشر، لا كائنات ذات سلوك ومشاعر مستقلة؛ وأن الشاغل الأساسي ليس ظهور وعي اصطناعي، بل غياب أطر عمل للتوجيه والمساءلة والحوكمة عند نشاط هذه الأنظمة على نطاق واسع، حسب بيتر رادانليف، خبير الذكاء الاصطناعي والتنبؤ السيبراني في جامعة أكسفورد.
أما البروفيسور تريستان كازيناف بجامعة باريس-دوفين، وهو مؤلف كتاب حول الذكاء الاصطناعي، فيدعو لعدم المبالغة، يقول: «إنه محض خيال! ينتج الذكاء الاصطناعي نصوصًا فحسب ولا شيء آخر». ويختم أنتوني كوهن المتخصص في الذكاء الاصطناعي بجامعة ليدز بقوله: «تكمن المشكلة في أننا لا نعلم أبدًا قدرات هذه البرامج، ولا حدود قدراتها» (فرانس 24). والمحصلة أن هناك عدة قراءات واختلافات في تفسير هذا التطور التكنولوجي.. يبدو أن الخيال العلمي للذكاء الاصطناعي أصبح واقعاً!.

