رجعتُ لمشاهدة الفيلم الوثائقي (جيفري إبستين.. ثراء قذر)، المعروض على منصة نتفلكس، والذي عاد في الفترة الأخيرة إلى قائمة الأعمال الأكثر مشاهدة، رغم مرور سنوات على عرضه الأول عام 2020، بعد ان تم الكشف مؤخرا عن الوثائق الحساسة حول هذه الشخصية المريبة والشركاء الذين كانوا معه.!
فمع إعادة المشاهدة، وجدت أن الوثائقي لم يكن بداية الحكاية، بل فصلًا متأخرًا منها، واستكمالًا لمسار بدأ قبل ذلك بعمل صحفي استقصائي مميز، أعاد فتح الملف ورفض التعامل معه كقضية منتهية، العمل يعيد ترتيب الوقائع، ويمنح الضحايا مساحة غابت طويلًا، لكنه يذكّر بحقيقة أبسط: هذه القضية لم تُكشف لأن الحقيقة كانت غائبة، بل لأن الصمت كان حاضرًا.
اسم إبستين لم يكن مجهولًا، والملفات كانت موجودة، والشكاوى موثّقة، لكن ما كان غائبًا هو الإصرار على المتابعة، ففي عام 2008، أُغلقت القضية بتسوية قانونية مخففة، مرّت بهدوء، وكأن ما جرى لا يستحق أكثر من سطر في سجل العدالة، كان يمكن للملف أن يغلق نهائيًا، وأن تتحول القضية إلى ذكرى قانونية باهتة، لولا أن الصمت نفسه عاد بعد سنوات ليصبح موضع مسائلة.
فالتحول الحقيقي بمسار هذه القضية الشهيرة، لم يبدأ من شاشة أو كاميرا، بل من الصحافة المكتوبة، حين نشرت صحيفة ميامي هيرالد عام 2018 تحقيقًا استقصائيًا أعاد فتح الملف، صحيح انه لم يأتي هذا التحقيق بمعلومات جديدة بقدر ما طُرح سؤال قديم جرى تجاهله طويلًا: كيف أُغلقت هذه القضية أصلًا؟، وقبل ذلك بعامين، صدر كتاب مهم حول هذه القضية وبعنوان ايضاً (ثراء قذر) وثّق شهادات الضحايا كتابياً، لكن للأسف ان الحقيقة بقيت محصورة في نطاق ضيق، كانت المعلومة موجودة، لكن أثرها محدود، وهنا يظهر الفرق بين معرفة الحقيقة، وتحويلها إلى قضية رأي عام!
ولكن بعد ذلك اقترب الإعلام المرئي خطوة إضافية عبر تقارير وبرامج تناولت أجزاء من الصورة، لكنها ظلت حذرة وعلى استحياء، ولكن الأهم ان الإعلام لم يكن غائبًا، لكنه لم يكن حضوره كافي، إلى أن خرجت القضية مؤخراً إلى الفضاء العام وأصبحت محل نقاش واسع، كون هذه القضايا، لا يضيف عليها الإعلام احداث جديدة، بقدر ما يعيد النظر في وقائع قديمة، ويطرح أسئلة كان تجاوزها أسهل من الإجابة عنها، فالملف الخاص بهذه القذارة كان حساسا وهاماً، لكنه أُغلق على بصورة سريعة.
لذلك ونحن بوقتنا الحاضر نعيش وتدفق المعلومات السريعة والهائلة حول هذه الحادثة الشهيرة دون الخوض في تفاصيلها، نجد ان الدور الكبير والأهم في نبش تفاصيل هذه القضية من البداية هو ل"الصحافة الاستقصائية" التي فضحت الملفات المغلقة وأعادت قضية إبستين إلى دائرة الضوء، للتأكيد ان هذا النوع الهام من الصحافة هو الركيزة الأساسية الذي يميز الإعلام الغربي، ونفتقده بكل اسف وبصورة مخجلة في إعلامنا العربي، لا لغياب القضايا، بل لغياب البيئة التي تحمي هذا النوع من العمل وتمنحه الوقت والمساحة، لان أهمية الإعلام ليست مرتبطة فقط لحظة النشر، بل في قدرته على العودة إلى الملفات التي نعتقد احياناً أنها أُغلقت.

