: آخر تحديث

البكائيات الإعلامية والمقاطع المصنّعة

3
2
3

بكائياتُ الفضائياتِ ومقاطعِ الفيديو، ليست تفصيلاً إعلامياً في صراعاتنا، بل جبهة موازية تُدار فيها الحربُ على الوعي، وتُصاغ فيها الكراهية بوصفها «خبراً عاجلاً»، ثم يعاد تدويرها على منصّات التواصل لتتحوّل سلوكاً عامّاً، وخوفاً يومياً، وقرارَ نزوحٍ يُتخذ تحت ضغط الصورة لا تحت ضغط الحقيقة. وما بين شاشةٍ مؤدلجة وحسابٍ مجهول، يُختصر تاريخُ الناس ومعاناتهم في ثوانٍ تُقتطع من سياقاتها، فتتحول من معلومة إلى حُكم، ومن خبر إلى تحريض، حيث تبدو أشد وضوحاً في الصراعات البينية داخل الدول؛ كما شهدنا في ليبيا واليمن وقبلهما العراق، ثم في سوريا... تتراجع السياسةُ إلى الخلف، ويتقدّم المشهدُ إلى الواجهة: مقطعٌ قصير؛ صراخٌ مع موسيقى، عباراتٌ تُقطِّع الجملة لتصنع اتهاماً، وزاويةُ تصويرٍ تُسقط الزمان والمكان والسياق... هكذا يصير الفيديو محكمةً متنقّلة، ويصير الهاتف قاضياً وادعاءً وتنفيذاً في لحظة واحدة. وحين يكون الصراع طائفياً أو عنصرياً، تتحول هذه الصناعة إلى ماكينة تعبئةٍ لا تُقنع الناس فحسب، بل تُرعبهم وتُخرج أسوأ ما فيهم: الشك، والرغبة في الانتقام، والاستعداد لتصديق الأكذوبة لأنها «تشبه ما نَكْرَه»، أو لأنها تمنحنا عزاءً سريعاً: نحن الضحية دائماً، والآخر هو الجاني دائماً.

المفارقة أن كثيراً من هذا المحتوى، حتى حين يرفع شعارات «الحق والدفاع والردّ»، لا يبتكر شيئاً جديداً؛ إنه تقليدٌ أعمى لمدرسة دعائية عرفها العالم مع تنظيمَيْ «داعش» و«القاعدة» وأذرعهما: الإثارة بدل التوثيق، والرعب محل السياسة، وتوظيف الفظاعة لإنتاج طاعةٍ عاطفيةٍ أو غضبٍ أعمى، والفظاعة هنا ليست عرضاً جانبياً؛ إنها لغة تُستخدم لجرّ الجمهور إلى خندقٍ محدد، ثم لإبقائه فيه عبر جرعاتٍ متتابعة من الصدمة، وما كان يُسوَّق سابقاً عبر منصات التنظيمات، صار اليوم يُلبس لباس المهنية على بعض الشاشات، ثم يُدفع إلى الـ«سوشيال ميديا» ليؤدي وظيفته الكاملة: شيطنةُ الخصم، وتخويفُ الجمهور، وتبريرُ العنف المقبل. وعندما اندلعت العمليات العسكرية في الساحل السوري، ثم تتابعت التوترات في السويداء، ووصلت لاحقاً إلى الرقة ودير الزور، بدا واضحاً أن جزءاً من المشهد يُدار خارج الميدان... مقاطع مصوّرة تُنشر دون سياق، أو تُجتزأ من أحداثٍ سابقة، أو تُضاف إليها أصواتٌ وتعليقاتٌ تُبدّل المعنى، أو تُفبرَك بالذكاء الاصطناعي فتبدو حقيقية بما يكفي لإشعال الغضب قبل أي سؤال واحد بسيط: متى صُوّرت؟ أين؟ مَن نشرها؟ هل هناك مصدرٌ مستقل يثبت ذلك؟

في ظل هذا السيل، يتراجع صوتُ الشهود الحقيقيين، ويضيع عمل الصحافة الجادة، وتتحول المعلومة وجبةً سريعةً تُستهلَك وتُرمَى، فيما يبقى أثرها النفسي عالقاً: هلع، وانعدام ثقة، وذاكرة جمعية تُعاد هندستها على مقاس التحريض.

الأخطر أن نتائج هذه الصناعة لا تبقى على الشاشات... حين تُضخّ صور الرعب بشكل متواصل، تتحول الحياة المدنية إلى حالة طوارئ داخلية: عائلات تحزم أمتعتها لأن «المقاطع قالت قولتها»... أحياء تتبادل الاتهامات لأن «الفيديو أثبت»، وجيران يصبحون خصوماً لأن «الهاشتاغ قرر هوية الجلاد والضحية»... ومع كل موجة، يتآكل الحد الأدنى من التعايش، وتزداد قابلية المجتمع للانقسام وفق خطوط المذهب والعرق والمدينة والقرية؛ أي وفق خطوط الهوية، لا وفق خطوط القانون... هنا تحديداً يُستخدم «الرعب الداعشي»، لا بالضرورة بيد «داعش»، بل بأساليبه: تفتيت المجتمع عبر الخوف، ونقل الصراع من حدود السياسة إلى غريزة البقاء. وبهذا المعنى، تُصبح الفضائيات المؤدلجة - حين تتلاعب بالمقاطع أو تسوقها دون تحقق - شريكاً في تقويض الأمن المجتمعي، حتى لو ادّعت أنها تنقل الواقع.

وليس من الصدفة أن تتزامن هذه الموجات مع أوقات الاحتقان: انتخابات، أو مفاوضات، أو صدامات ميدانية، أو فراغ سياسي... حينها تتحول المقاطع سلاحاً لاستباق الدولة وإرباكها، وللضغط على قراراتها، أو لتبرير انحيازاتٍ مسبقة، فبدلاً من أن تُنتِج السياسةُ حلولاً، تُنتج المقاطعُ مزيداً من الاستقطاب؛ وبدلاً من أن يطلب الناس تحقيقاً محايداً، يطلبون انتقاماً سريعاً، وكأن العدالة باتت لقطةً ترسَل على الـ«واتساب»... وفي بيئاتٍ هشّة، يكفي مقطعٌ واحدٌ - صحيحاً كان أم مفبركاً - ليُشعل سلسلة من ردود الفعل لا تُطفئها البيانات ولا الخطب.

والمَخرَج هنا لا يبدأ من الرقابة الشاملة ولا من وصايةٍ على الناس، بل من قواعد مهنية وأخلاقية صارمة تعترف بأن الفيديو ليس دليلاً بذاته ما لم يُثبَت سياقه. على الشاشات أن تُعيد الاعتبار للخبر المؤكد، وللتوقيت، والمكان، والمصدر، وأن تميّز بين مادة خام وقصة موثقة، وأن تتوقف عن تسويق اللقطة بوصفها حقيقة مكتملة. وعلى منصات التواصل أن تتحمل مسؤوليتها في كبح المحتوى المصنوع للتحريض؛ لا بوصفه رأياً، بل بصفته تهديداً للسلم الأهلي. وفي المجتمعات نفسها، نحتاج إلى ثقافة التريث بدل ثقافة المشاركة: أن يسأل المواطن قبل إعادة النشر، وأن يدرك أن زر الإرسال قد يكون أحياناً أقرب إلى زناد اجتماعي.

ليس المطلوب أن نغلق أعيننا عن الجرائم، بل أن نمنع تحويل الجرائم وقوداً سياسياً وطائفياً، فحين تُدار الصراعاتُ بالصورِ المفبرَكة وبكائياتِ الفضائيات، ينتصر صانع الفتنة مهما خسر في الميدان؛ لأنه يكسب المعركة الأعمق: معركة تفكيك المجتمع من الداخل... وفي دولٍ أنهكتها الحروب، لا ترف لدينا لنخوض حرباً إضافية بعضنا ضد بعض... بتوقيع «فيديو».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد