: آخر تحديث

بسقوط السقف النووي... الغموض أزمة وجودية دولية

3
3
3

أسقطت نهاية «نيو ستارت» آخِر سقف قانوني يحدّ الانتشار النووي الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا.

حدّت المعاهدة الرؤوس الحربية الاستراتيجية المنتشرة إلى 1550، ووسائل الإطلاق المنتشرة إلى 700، وربطت الأرقام بآليات تبادل بيانات وإشعارات وتفتيشات. وبانتهائها يصبح خطر الإبادة النووية المتبادلة أكثر اقتراباً، ومحاطاً بالغموض والمخاطر.

يكشف موت «نيو ستارت» حقيقتين: الأولى أن التحقق كان يتداعى منذ مدة، بما في ذلك تعليق روسيا مشاركتها في فبراير (شباط) 2023. وبالنتيجة، تداعَت آليات «الثقة ولكن التحقق».

الثانية، يزيل انتهاء الاتفاق بالكامل سقف سباق التسلح النووي؛ فحين تختفي الحدود تتسابق الأطراف إلى التخطيط لأسوأ الاحتمالات، ويغدو خيار «الرفع» - أيْ زيادة تحميل الرؤوس النووية على الصواريخ القائمة - أقصر طريق لتعزيز الردع.

غير أن هذا الطريق يقصّر، على نحوٍ خطر، زمن الإنذار، ويدفع قرارات مصيرية إلى مستويات أقرب إلى الميدان.

يحذّر معهد SIPRI من ديناميكية وتعقيدات جديدة لسباق التسلح. وفيما تتحرك البيئة النووية الدولية نحو التحديث والتوسع، تنمو الترسانة الصينية وبنيتها التحتية بوتيرة لافتة. بذلك لم يعد الاستقرار ثنائياً، بل صار ثلاثياً، وربما أكثر. وبينما ترفض الصين الانخراط في أي معاهدات جديدة لكبح السباق، تتوفر الذريعة لواشنطن وموسكو لربط أي معاهدة مقبلة بشروط أوسع، ما يجعلها أشد صعوبة وأكثر هشاشة.

وعلى المدى القريب، يشكل انهيار آليات التحقق خطراً فادحاً، إذ يزيد احتمال أخطاء تقدير المخاطر في غياب أدوات القياس: إنذارات كاذبة وطمأنينات كاذبة. وهكذا تتشكل «دوامة الغموض»: تفتيش أقل يعني يقيناً أقل، واليقين الأقل يعني تحوطاً أكثر، والتحوط يبرر مزيداً من السرية وسوء تقدير نوايا الخصوم.

يظهر أثر هذا الضباب أولاً في أوروبا، لا لأنها ستصبح نووية غداً، بل لأنها ستصبح أكثر تعرضاً للخطأ. تقصّر الجغرافيا زمن القرار الأوروبي، وتتضاعف حساسية الإشارات. وتدفع الحرب في أوكرانيا بعض العواصم إلى إعادة وزن الردع، لا كفكرة مجردة بل كضمان سياسي. لذا تشتد النقاشات حول «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبي، ودور الترسانتين البريطانية والفرنسية، وجدوى ترتيبات «المشاركة النووية» داخل حلف الناتو. وقد تعود فكرة نشر قدرات إضافية أو توسيع البنى الداعمة للردع بوصفها استجابة مباشرة للغموض.

وفي المقابل، تملك أوروبا فرصة نادرة أيضاً: أن تملأ فراغ الدبلوماسية التقنية بإجراءات بناء ثقة أقل طموحاً من المعاهدات وأشد واقعية من الشعارات، قنوات أسرع لإدارة الأزمات، وخفض احتمالات الخطأ، وقواعد لمنع الحوادث في البحر والجو.

وينعكس الفراغ على الشرق الأوسط عبر بوابة «قيمة الخيار»، لا عبر سباق قنابل معلَن. ففي منطقة تتغذى أزماتها على الصراعات العقائدية وأزمات الثقة، تنمو الشكوك المتبادلة، وتتسارع البيئة الصاروخية، وتشتد النزاعات؛ فيزداد الغموض ويتراجع الحافز المعنوي والسياسي لضبط النفس. لذلك يصبح الاستثمار في «قدرة استراتيجية نووية كامنة» أكثر إغراء: بنى وقود نووي، ومعرفة هندسية، وصواريخ، وأنظمة قيادة وسيطرة، بما يتيح تقليص زمن الاختراق المحتمل إذا تدهورت البيئة الاستراتيجية أو انهارت الضمانات.

يبقى أن غياب المعاهدة لا يعني بالضرورة سباقاً تلقائياً في الإقليم. فالتوسع الكبير مكلف، والصناعات النووية ليست بلا حدود، كما أن قدرة الضربة الثانية - خصوصاً عبر الغواصات - لا تزال تفرض رادعاً أساسياً. لكن الخطر الحقيقي أقرب من ذلك: أن تُدار المنافسة الكبرى بمنطق الغموض، فتُعاد صياغة سلوك الحلفاء والخصوم وفق أسوأ قراءة ممكنة.

وفيما تبدو «الصفقة الكبرى» بعيدة المنال الآن، تبقى «الصفقات الصغيرة» ممكنة، وقد تنقذ ما هو أثمن من السقف: الاستقرار في الأزمة، عبر إشعارات لإطلاق الصواريخ، وتحديث للخطوط الساخنة، وقواعد لمنع الحوادث، وشفافية طوعية محسوبة.

قد لا تعيد هذه الأدوات زمن المعاهدات، لكنها قد تُخفض احتمال أخطاء الحسابات. وفي السياسة النووية، ليس الخطر وحده ما يقتل؛ بل إن غالباً ما يقتل هو الغموض وسوء التقدير.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد