: آخر تحديث

مهلاً... لم يمتِ الغرب ولا هزيمة للديمقراطية

3
3
3

العلاقة بين الغرب والديمقراطية علاقة مفصلية لا يمكن لأحدِ طرفيها أن يقوى ويزدهرَ دون الآخر، وكلما ابتعدا بعضهما عن بعض كانتِ النتيجة موتاً بطيئاً للديمقراطية، وأفولاً للغرب. ومع اتساع تبعات فضيحة رجل الأعمال الثري المنتحر في أحد سجون نيويورك، جيفري إبستين، وعلاقاته مع كبار ساسة الغرب، وأثرياء، ومفكرين، هلَّل كارهو الديمقراطية لأزمتها الأخلاقية، وفرح ناقدو الغرب لما يعتبرونه بداية تفككه. هذا التهليل وهذه الكراهية باديان بالذات في منطقتنا العربية التي ما زالت تتباهى بأنَّها -وإن تأخرت مادياً- متفوقة أخلاقياً. هذا التباهي يدلُّ على سطحية في التفكير، وتعثر في قراءة الواقع الغربي. فالديمقراطية الغربية تتقوَّى كالوحش الخرافي من أزماتها، ويمكن استشفاف ذلك من مراجعة بسيطة لتبعات الفضيحة حول شخصيتين بريطانيتين: الأمير أندرو، والوزير الأسبق والسفير بيتر ماندلسون.

عندما اتَّهمت الفتاة فيرجينيا جيوفري الأسترالية (انتحرت لاحقاً لأسباب نفسية) إبستين، وصديقته غيلين ماكسويل، بالاستغلال والاتجار الجنسي، والأمير أندرو البريطاني باستغلالها جنسياً، لم يصدقها أحد، ولكن الإعلام الديمقراطي التقط القضية، وحرَّك أجهزة القضاء، فاضطر الأمير أندرو لإجراء مقابلة إعلامية لتبرئة نفسه، فأظهره الإعلام كاذباً، وسارع محاموه لعقد صفقة مع الضحية قبل فوات الأوان. نجا أندرو مؤقتاً بدفعه مبلغاً ضخماً للمدعية، ولضحايا إبستين، ولكنه لم يعترف بمسؤوليته.

بالموازاة، أقالت الحكومة البريطانية سفيرها بيتر ماندلسون، بعد انكشاف علاقته الوثيقة برجل الأعمال إبستين، وظنَّ كثيرون أنَّ القضية أُغلقت؛ لكنَّها بقيت تتغذى بنسغ الديمقراطية الحامية للضحايا ثم لنفسها من الموت؛ فالديمقراطية في جوهرها هي محاسبة ومسؤولية، وليست يقينية، ولديها من المرونة ما يكفي لتصحيح ذاتها، وحماية مجتمعها، بكشفها الخلل، وفي قضية إبستين تبدى بثلاثة عناصر: السلطة، والمال، والأخلاق.

السلطة هي نتاج الديمقراطية، والمسؤولون محاسبون أمام ناخبيهم، وتحت قوانين سنَّها البرلمان، وأمام قضاء يحاسِب، ولا يمكن للسلطة إعفاء نفسها من المسؤولية، وتجاهل غضب الناخبين، وانتهاك القوانين، وازدراء القضاء؛ لهذا ناقش البرلمان البريطاني -كمحاسب للسلطة- تعيين ماندلسون سفيراً في واشنطن، وحرصت المعارضة على معرفة أجوبة عن الأسئلة التالية: كيف عيَّنه رئيس الحكومة سفيراً وسجله الأخلاقي سيئ السمعة؟ وهل عرف رئيس الحكومة قبل التعيين بعلاقة السفير برجل الأعمال إبستين؟ فإذا عرف، فما هي أسبابه للتعيين؟ وإذا لم يعرف فهل طلب معلومات عنه من الأجهزة المعنية في الدولة؟ وهل فشلت هذه الأجهزة في إتمام عملها؟ ولماذا؟ هذه الأسئلة لم يصمد أمامها رئيس الوزراء في البرلمان، فاعترف، بعد مراوغة، بأنَّه كان يعرف، وهذا كان كافياً للمعارضة لتطالب بطرح الثقة به، وكافياً لحزبه حتى يقع في أزمة سياسية بين مؤيد لبقائه ومطالب بإزاحته.

كل هذا النقاش جرى أمام شاشة التلفزة، وأعين الناخبين، ومتابعة كل شعوب الأرض. النتيجة: رئيس للوزراء يحصل على أدنى شعبية في بريطانيا، والثقة به تحت الثلاثين في المائة! ورئيس وزراء يعلم الجميع أن أيامه معدودة في السلطة؛ لأن حزبه لا يمكنه كسب ثقة الناس بوجوده على رأس الهرم.

المال هو أيضاً لم يغب عن القضية! لماذا يخون وزير أو نائب منصبه مقابل المال؟ لماذا يحصل نواب على مناصب تجارية بعد خروجهم من السلطة في شركات مموليهم؟ ولماذا تُدفع لهم رواتبُ عالية في تلك الشركات؟ هذه الأسئلة محل نقاش، وتُجمع آراء كثيرين على ضرورة تحصين الديمقراطية بمنع تزاوج المال والسلطة لدرء مفاسدها. وقد وُضعت قوانين تجبر النواب والمسؤولين على الإعلان عن أي هدايا أو لقاءات يعقدونها مع رجال المال أو اللوبيات، للحد من طرح قوانين تخدم رجال المال، أو التصويت لها. وثمة اقتراحات بزيادة أجور النواب لتحصينهم، وإصدار قوانين قاسية لمعاقبة المخلين.

تبقى قضية الأخلاق، وهي مهمة في الديمقراطية؛ لأنها تتطلب من المسؤول أن يكون بأعلى درجات المسؤولية الأخلاقية؛ لأنَّه بمنصبه يمثل شرف الأمة، ونزاهتها، ومن دونها تطغى المصلحة الخاصة على العامة؛ لذلك تضبط الأخلاق مسار العمل الديمقراطي، والقوانين الديمقراطية تجسد الأخلاق التي يريدها المجتمع لتحصين نفسه من تجاوز القوانين، والإخلال بمبدأ المساواة. فالديمقراطية تتساهل في الحرية الفردية لكونها حيزاً خاصاً، وتتشدد في الحيز العام لتعلقه بمصلحة المجتمع. ولا عجب أن نرى في بريطانيا أندرو يُطرد من قصر عائلته ويجرَّد من لقبه، والوزير ماندلسون يخضع للتحقيق، ورئيس الوزراء قد يخسر قريباً منصبه.

ظاهرياً تبدو الديمقراطية الغربية منهكة؛ لكنَّها مرنة تتجاوز المطبات، والغرب يبدو متهالكاً؛ لكنَّه قادر على تجاوز مصاعبه، ما دامت علاقته التكاملية مع الديمقراطية قائمة؛ فالغرب من دون ديمقراطية بلا قيمة، وعلى كارهي الغرب والشامتين في الديمقراطية بعالمنا العربي أن يدركوا أن ما يتبدى أمام أعينهم ليس تفككاً ولا انهياراً؛ بل هو ديمقراطية تتجدَّد، وانتصار يلد انتصاراً.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد