كان العزاء يؤدى غالبا في المقبرة، ثم تحول تدريجيا للبيت، أو الديوانية، او الحسينية لدى الشيعة، ففي الحالتين هو أكثر وجاهة وأكثر نفعا للبعض، وراحة للغالبية، بعد التحول الذي فرضته الظروف مع توقف الدفن في المقابر القريبة من البيوت، وانتقالها لمناطق بعيدة.
كما كانت شبرات أو مظلات تَلقي أو تقديم العزاء بسيطة ومكشوفة، لا تحمي من الحرارة صيفا ولا من البرودة شتاءً، ومؤذية في الأيام المغبرة. وشكلت معاناة للكثيرين، قبل أن يتبرع بعض المحسنين بتشييد الهناكر، أي الصالات الواسعة المصنوعة من الحديد، لاستعمالها مكانا لتلقي العزاء، وتزويدها بالمكيفات وبرادات مياه الشرب، وبقية الخدمات الأخرى، بما في ذلك لوحات تبين طابور تلقي العزاء في هذا المتوفى أو غيره.
مع الكورونا تغيرت أمور كثيرة، منها انتشار «موضة» اللحية القصيرة، والاختصار في طقوس تقديم العزاء، وشبه اختفاء عادة المبالغة في العناق وتبادل القبلات وحتى السلام باليد، خلال العزاء، ليتحول لقيام المعزين بالمرور من أمام ذوي المتوفى، والاكتفاء برفع اليد، دون تلامس فعلي. كما تغير تلقي العزاء في المقبرة والبيت بعدها، أو الديوانية، ليتم الاكتفاء بالمقبرة فقط، مع توفير خدمة تلقي العزاء من خلال الرسائل الإلكترونية، وقيام غيرهم بتلقيه في البيت أو الديوان أو المسجد، ليوم أو يومين، بعد أن اصبح الأمر يشكل عبئا على الجميع، خاصة في الأيام الشديدة الحرارة أو البرودة، أو بسبب سن أو وضع المتوفى، اجتماعيا.
ذهبت كثيرا للمقابر للتعزية بفقيد او قريب، وكنت أرى أن أسباب غالبية من حضروا كانت تتراوح بين الرغبة في الأجر، أو القيام بواجب اتجاه اسرة الفقيد، أو لغير ذلك من أسباب اجتماعية. ما كان يغيظ بالفعل ذلك الإصرار، من نسبة مقلقة من المواطنين، على تجاوز حق الغير، والدخول في طابور المعزين من اليمين واليسار، واستخدام حيلة سخيفة تتمثل في تصنع الرغبة في السلام على من يعرفون، ليبقوا بعدها بجانبه (!!)، وهو تصرف يتسم بقدر واضح من «قلة الأدب»، وتجاهل لطبيعة المناسبة التي يفترض أن تتسم بالوقار، ويفترض من المعزين، إبداء اعتراضهم، بطريقة لبقة، على تلك التصرفات، وهو التصرف الذي لم يتلاش حتى بعد أن أصبح تقديم العزاء، مؤخرا، أكثر سرعة وسهولة من ذي قبل.
من الصعب تعليم الناس الذوق، إن لم يرغبوا بذلك من تلقاء أنفسهم، ولكن يبدو واضحا، كما سبق أن بينا، أن العلاقة بين الأخلاق والدين ليست متلازمة بالضرورة، فقد يكون غير المتشدد دينيا، أعلى التزاما بالأخلاق، أو العكس.
أحمد الصراف

