ماجد قاروب
تُعد مهنة المحاماة من أسمى المهن وأكثرها ارتباطًا بتحقيق العدالة وحماية الحقوق، فهي ليست مجرد وظيفة تقليدية، بل مسار مهني متكامل يقوم على العلم، والقيم، والممارسة الواعية. ويبدأ هذا المسار منذ المرحلة الأكاديمية، ويمر بعدة مراحل متدرجة حتى الوصول إلى الاحتراف والاستقلال المهني.
يشكّل التعليم الجامعي الأساس الأول لدخول مهنة المحاماة، حيث يتلقى الطالب المعرفة في الأنظمة الرئيسة، مثل نظام المحاماة، ونظام المرافعات الشرعية، ونظام المعاملات المدنية، ونظام الإثبات، ونظام الإجراءات الجزائية، ونظام التنفيذ، ونظام العمل، ونظام الشركات، ونظام الأحوال الشخصية. غير أن هذه المعرفة النظرية لا تكفي وحدها لصناعة محامٍ ناجح، ما لم تُستكمل بتدريب عملي يربط النص النظامي بالتطبيق الواقعي.
تمثل السنوات الأولى من الممارسة المهنية مرحلة التأسيس الحقيقي، حيث يبدأ المحامي في الإلمام بواقع المهنة، والتعامل مع العملاء، والمشاركة في إعداد الآراء القانونية، وحضور الجلسات، ومتابعة الإجراءات. وفي هذه المرحلة تتشكّل الشخصية المهنية للمحامي، ويتعلم الانضباط في الوقت، ودقة الإنجاز، وأسلوب التعامل القائم على الاحترام والالتزام الأخلاقي والمهني.
وخلال السنوات الخمس الأولى، يعمل المحامي غالبًا لدى الغير أو ضمن فرق قانونية، مستفيدًا من خبرات المحامين الأقدم، ومطوّرًا مهاراته العملية تحت إشراف مهني مباشر. وتُعد هذه المرحلة ضرورية لاكتساب الخبرة، وبناء الثقة، وفهم أعراف المهنة ومتطلباتها العملية.
ومع التقدم في الخبرة، يبدأ المحامي في تحديد مساره التخصصي، سواء في قطاع الأعمال والعقود والاستشارات، أو في العقود الإدارية، أو في القضايا والترافع أمام المحاكم ودوائر ديوان المظالم واللجان القضائية. ويسهم التخصص في رفع جودة الأداء المهني، وتعزيز السمعة القانونية، وفتح آفاق أوسع للتطور الوظيفي.
بعد مرور سبع سنوات أو أكثر من الممارسة، يصل المحامي إلى مرحلة النضج المهني، حيث يكون مؤهلًا لتولي مسؤوليات أكبر، كرئاسة الأقسام القانونية، أو الدخول في شراكات مهنية، أو تأسيس مكتب محاماة خاص. وفي هذه المرحلة يكتمل البناء المهني للمحامي، جامعًا بين الخبرة العملية، والالتزام الأخلاقي، والقدرة الإدارية.
في ظل التطورات التشريعية والتحولات الاقتصادية، أصبح لزامًا على المحامي أن يواكب المستجدات، وأن يلتزم بالتدريب والتعليم المستمر، وأن يوازن بين حياته المهنية والأسرية، وأن يحافظ على علاقات مهنية قائمة على الاحترام المتبادل. فالمحاماة، في جوهرها، رحلة طويلة تبدأ بالعلم، وتترسخ بالممارسة، وتكتمل بالأثر الإيجابي في المجتمع.
لا يقتصر نجاح المحامي على المعرفة القانونية فقط، بل يتطلب صفات شخصية ومهارات متعددة، من أبرزها الصبر وتحمل الضغوط، وحضور الذهن، والقدرة على التواصل الفعّال، إلى جانب التدريب المستمر ومواكبة التطورات النظامية. فالمحاماة، في جوهرها، رحلة نضج وبناء مستمر، يقاس النجاح فيها بما يتركه المحامي من أثر مهني وإنساني مشرف قبل أن يكون لقب أو منصب ، فالمحامي الحقيقي هو من يوازن بين المهنة والأسرة والقيم والرسالة ،لأن مسيرة المحامي تشبه دورة الحياة كشهادة ميلاد، شهادة محاماة ، مسيرة مهنية ، أثر ،نهاية مشرفة .
هذه ورقتي التي قدمتها في ملتقى عسير القانوني الذي تشرفت بالمشاركة فيه مع نخبة من المتحدثين في مواضيع هامة مثل دور الحوكمة في تحقيق الاستدامة ، الإدارات القانونية والنظرة المستقبلية ، التحكيم التجاري وأثره على الأعمال ، دعاوى إلغاء القرار الإداري، المسؤولية الجنائية لمخالفة نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية.
التواجد في أبها ومنطقة عسير تجربة سياحية قانونية ثرية رائعة، ولا أنسى أن أتقدم بجزيل الشكر لغرفة أبها على حسن التنظيم وكرم الضيافة.

