: آخر تحديث

فقدنا اليوم سَيْفاً

8
6
6

موسى بهبهاني

تتنوع حالات فراق الأحبة والأصدقاء بين الحزن على الرحيل والشوق لرؤيتهم، وهي مشاعر تُعبّر عن الآلام التي تصيبنا برحيلهم.

فلكل لقاء حياة، والأصدقاء الحقيقيون لا يفترقون، نعم يغيبون جسدياً، ولكن تبقى ذكراهم حية ومتصلة بنا.

«إذا فرقتنا الأيام... ستظل الذكريات حية لا تموت».

ففي الأيام الماضية فقدنا عزيزاً وأخاً وصديقاً ذا شخصية مميزة، إنه المرحوم بإذن الله:

سَيْف مُحَمَّد علي الْحَبِيبِ - بوطلال،

اسمه سيف وتتشابه صفاته بالسيف وهو سيفٌ للحق: ذكي، قوي المواقف، لا يرضى بالظلم، طيّب القلب، وحسن التصرف، ليس متردّداً في قراراته، فهو كالأداة الحادة القاطعة التي ترمز إلى القوة والهيبة.

بوطلال، رحمه الله... جمع بين صلابة السيف وبين جمال الروح، لذلك كان من الشخصيات المميزة.

قيل في الأثر:

«كما تكون مع الناس يكونون معك».

كان «بوطلال»، حسن المعشر، ومحباً للجميع، تميّز بالصدق وقول كلمة الحق دون مجاملة، عامل كل من عرفهم بالاحترام والتقدير، وتواصل مع الكبير والصغير، وكان محباً للمعرفة والقراءة،

ومتابعاً للمقالات التي أكتبها ويشجعني على الاستمرار، ناهيك عن تعقيباته الهادفة.

ففي ديوان - أسرة الحبيب - بمنطقة مشرف، كان يستقبل الرواد بكل حفاوة وحماسة، تميز بالبشاشة التي تعكس روحه الطيبة، ولم يؤذ أو يظلم أحداً، بل كان من ذوي القلوب الرحيمة يساعد من كان محتاجاً.

بوطلال، من الشخصيات النادرة في هذا الزمان، كان ملتزماً بمعرفة المولى عز وجل، عن طريق التَّفَكُّرُ والتعقّل، والتي من خلالها يتم التوصل إلى ما نجهله لمعرفه المولى عز وجل، وعاشقاً لمجالس الذِّكْر

وقِرَاءَةِ القرآن الكريم، يتواصل مع أصدقاء بإرسال كل ما هو مفيد فقط.

وكان محافظاً على الصلاة ومتعبداً للمولى عز وجل، ويحرص على الذهاب لجميع المساجد دون استثناء لتعلق قلبه بدُور العبادة.

وفي السنوات الأخيرة تعب صحياً... وقضى أياماً بالمستشفى، ومع ذلك كان قوي الشكيمة، يحضر إلى الديوانية ويستقبل محبيه بكل محبة كعادته، تحمّل آلام المرض وواصل الحياة مستعيناً ومتوكلاً على المولى عز وجل.

وقبل فترة اشتد عليه المرض، فأدخل إلى المستشفى لتلقي العلاج، وخلال تواجده لم يقطع تواصله مع أصدقائه سواء بالمحادثة المباشرة أو بإرسال الرسائل.

«كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ».

حان الأجل المحتوم وانتقل - بوطلال - إلى رحمة الله مرتحلاً من دار الفناء إلى دار البقاء.

فكما عاملت الجميع يا -بوطلال - بتلك الصفات الحسنة، كان محبوك وأصدقاؤك أوفياءً لك، ففي لحظة الوداع توافدوا إلى روضة الصالحين لوداعك عن هذه الدار الفانية، واكتظت دار تلقي التعازي بهم وفاءً ومحبةً لك.

فالمعاملة بالمثل مبدأ أساسي في العلاقات الإنسانية، فإذا منحت الود والاحترام، ستحصد الود والاحترام.

وبالرغم من مشاعر الحزن، إلا أن الفراق اختبار من المولى عز وجل لعباده، اللهم لا اعتراض إنما يظل الوفاء لمن نعز باقياً بالرغم من عدم وجودهم في عالمنا الفاني.

ختاماً:

ففي الأزمات تظهر معادن الرجال، وفي الفقد يظهر رصيد الإنسان في قلوب محبيه.

بوطلال، عرفناه بابتسامته الواصلة وبقلبه الرحيم الذي لا يتأخر عن تقديم العون لكل من يقصده قدر استطاعته، وعند فقده امتلأت القلوب بالدعاء له وذلك ثمرة الطيبة التي تميز بها وغرسها في قلوب محبيه.

اللهم إنّ سَيْف مُحَمَّد عَلَي الْحَبِيبِ، في ذمّتك، فاغفر له وارحمه، إنّك أنت الغفور الرّحيم.

اللهم إن كان مُحسناً فزد في حسناته، وإن كان مُسيئاً فتجاوز عنه.

اللهمّ آنسه في وحدته وفي وحشته وفي غربته.

اللهمّ أنزله منزلاً مباركاً، وأنت خير المنزلين.

اللَّهُمَّ ارْحَمُ كُلّ مَنْ ذَبُلَتْ قُلُوبُنَا شَوْقاً لَهُم.

والعزاء والمواساة لذويه وأسرته الكريمة وأن يلهمهم الصبر والسلوان، ويُعينهم على تحمّل هذا المصاب.

رحم الله من قرأ سورة الفاتحة وأهدى ثوابها لأرواح كل من فقدناهم من الأهل والأحبة والأصدقاء، ولمن ليس له ذاكر، لا سيما للمرحوم بإذن المولى عز وجل: سَيْف مُحَمَّد عَلَي الْحَبِيبِ.

«إنّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُون».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد