: آخر تحديث

محمد بن راشد.. قراءة في تجربة قيادية ملهمة

7
8
5

صبحة الراشدي

يكثر الحديث في تاريخ الأمم الحديثة عن طموح القادة، وتُروى قصص السعي إلى التقدم، وكأن الطموح قيمة ثابتة، تتكرّر بصورة متشابهة. غير أن هذا الحديث يتبدّل ويرتفع سقفه، حين يُذكر اسم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لأن الطموح يبلغ مداه، ومعناه ومُبتغاه يرتقيان إلى سقف مفتوح، لا يعرف المستحيل. فالطموح في هذه التجربة لم يكن رغبة، ولا محاولة تحسين ضمن حدود المألوف، بل قناعة راسخة أن الواقع نفسه ليس سقفاً نهائياً، والنجاح لا سقف له، بل متواصل، وبلا حدود. لم يكن السؤال المطروح: إلى أين نصِل؟ بل: لماذا نكتفي بما هو قائم؟ وهذا التحوّل في السؤال، هو جوهر التجربة الملهمة، قبل أي نتيجة أو إنجاز.

في كثير من النماذج القيادية، يُفهم الطموح بصفته تقدماً محسوباً، يجنّب المخاطر، ويُبقي الحركة داخل هامش الأمان. أما هنا، فكان الطموح قيادة واعية للمجازفة، وقرارات تُتخذ في وقتها، وتُتابَع بمسؤولية كاملة، وتُصحَّح عند الحاجة، دون تردد أو تبرير. لم يكن الطموح خطاباً يُقال، بل التزام يُحمَل، وتكلفة تُدفع، وعمل متواصل تظهر ثمارهما للعيان.

لم تُبنَ هذه الرؤية على انتظار الظروف المثالية، ولا على مجاراة السائد، بل على وعي علمي دقيق بعامل الزمن. فالفرص لا تأتي مكتملة، والتردّد في التحوّل قد يكون أثقل ثمناً من الخطأ نفسه. ولذلك، لم تُدر القرارات بمنطق التردد، بل بمنطق الجسارة والمسؤولية: أن تُقدِم وأنت مدرك الاحتمالات الخطأ، ولكنك أكثر إدراكاً لتكلفة الانتظار. وهنا، يصبح الفرق جلياً بين طموح يُقال وطموح يُقاد. الطموح الذي يقال، قد يتوقف عند أول عائق، أما الطموح الذي يُقاد، فيتعامل مع العوائق، إن وُجدت، بوصفها جزءاً من الطريق. لم تكن القرارات اندفاعية، كانت مدروسة، تُراقَب، وتعدَّل، وتستمر حتى تؤتي أثرها. ولهذا، حين يُنظر اليوم إلى ما تحقّق، قد يبدو كأنه مسار طبيعي أو نتيجة منطقية. غير أن من يعرف لحظة القرار، يدرك أن ما حدث لم يكن امتداداً للممكن، بل توسيع واعٍ له. فالتاريخ لا يُكتب بالنتائج وحدها، بل الخيارات التي سبقتها حين لم تكن المآلات واضحة. وبهذا المعنى، لم يعد الطموح وحده صفة تضاف إلى القائد، بل أصبح منهج تفكير ونهج عمل، ومنهجاً يرى في الإنجاز بداية لمسؤولية جديدة، لا نهاية لطريق. وكل نجاح يفتح سؤالاً أصعب عن الخطوة التالية، لا عن مساحة الراحة. وهنا، تغيّر تعريف المستحيل، فلم يعد حدّاً ثابتاً، بل صار تحدّياً مؤقّتاً، قابلاً لإعادة التعريف بالفعل والعمل ولغة الإنجاز. ومن هذا المنطلق، يأتي الشكر مختلفاً في لغته ومضمونه، ليس مجرد مديح أو احتفاء، بل هو اعتراف واعٍ بتجربة قيادية، غيّرت طريقة النظر إلى الطموح ذاته.

سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، شكراً لأنكم لم تعلّمونا كيف نطمح فقط، بل علمتمونا أيضاً كيف نقود طموحنا، وكيف نواجه أصعب التحديات بثبات، ونتجاوزها بالفعل والعمل... لا بالكلام.

شكرٌ يصدر منا نحن أبناؤه، ونحن نحتفي اليوم بذكرى مرور عشرين عاماً على تولي سموه مقاليد الحكم في إمارة دبي، ورئاسة الحكومة الاتحادية. شكر ليس لأننا فقط نقرأ النتائج اليوم، بل لأننا أيضاً نعيش أثرها وخيرها العميم.. ونحمل مسؤولية استمرارها. فما صُنع بالطموح، لا يحفظه إلا الطموح، وما تغيّر بالقرار الجسور، لا يستمر إلا بالفعل والعمل. اللهم احفظ دولة الإمارات العربية المتحدة قيادةً وشعباً، وبرّها وبحرها وسماءها، وأدم عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار والازدهار.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد