واليوم ، وقد تجاوزتُ الـ60 من العمر، أعود إليها لا بخطوات الجسد، بل بخفّة الروح. أتخيل صابطاتها كما مشيتها طفلًا، وأتأمل أزقتها كما يتأمل الابن وجه أمّه وقد حفرت السنين فيه جمالًا لا يزول. هنا تعلّمت أول دروسي خارج المدرسة في نادي الشاطئ تعلّمت تنس الطاولة على يد المرحوم الجامد، ولم تكن لعبةً فحسب، بل انضباطًا ورفقةً وانتماءً لمكان يصنع أبناءه قبل أن يصنع بطولاته.
وعلى سطح بيت الجشي، الذي تجاوز عمره الـ400 عام، رأيت العمارة تحكي تاريخها بلا كتب، جدران تتنفس، ونوافذ تعرف اتجاه الريح، وسقوف بُنيت بعقلٍ يفهم البحر والرطوبة والإنسان. ذلك البيت لم يكن حجرًا، بل درسًا في أن الجمال لا يُستورد، بل يُورث. ومن أهلي وأجدادي تعلّمت معنى التعلّق بالمكان .. لم يكن حب القطيف شعارًا، بل ممارسة يومية في القهوة والسوق والعزاء والفرح، وفي الحكايات التي تُروى بلا تكلّف. وأنا أكتب عنها اليوم، أتمنى من أبنائها أن يكتبوا أكثر.. أن يدوّنوا ذاكرتها قبل أن تتسلّل منها التفاصيل. فالمدن التي لا تُكتب تُختصر، والقطيف أكبر من الاختصار.
وليس غريبًا أن نجد هذا العشق الصافي في ما كتبه المرحوم عبدالله الجشي الشاعر والمثقف الوطني، الذي أنصف المكان لأنه عرفه، لا لأنه سمع عنه.
وقد كان تكريمه في مهرجان الجنادرية من قبل الملك عبدالله بن عبد العزيز تكريمًا للكلمة الصادقة حين تُكتب بضمير. اليوم .. تتقدّم القطيف من الذاكرة إلى الفعل. فالرغبة في تفعيل الأصول التاريخية، والحفاظ على الهوية الثقافية للمنطقة الشرقية، تتقاطع مع مسار تنموي جديد.
هيئة تطوير المنطقة الشرقية تتبنّاه بالشراكة مع الجهات ذات الصلة والقطاع الخاص. ويأتي وسط قلعة القطيف أحد أقدم أحياء المدينة، العائد بناؤه إلى القرن الـ12 الهجري كقلبٍ لهذا المسار … حيث شكّلت الواحة والشاطئ جزءًا من المشهد الحضري و بُنيته.
ومن هنا، يتبلور طرحٌ أراه صادقًا ومعبرًا عن الشراكة الحقيقية.. أن تُقيَّم الأراضي التاريخية بواسطة مُقيّم مستقل، وتدخل قيمتها كحصة عينية في مشروع تطويري يُدار عبر شركة مساهمة مقفلة، تشارك فيها الهيئة والأمانة بملكية الأرض، ومعهما مستثمرون من أهل القطيف. صيغةٌ تُوازن بين حفظ الهوية، وعدالة التقييم، وجاذبية الاستثمار.
وهو مسار يحظى بدعم وتوجيه الأمير سعود بن نايف أمير المنطقة الشرقية ونائبه، ليغدو التطوير فعلَ انتماءٍ قبل أن يكون مشروعًا. القطيف، إذن، ليست حنينًا فقط .. إنها فرصة. عجوز بتاريخها، شابة بأبنائها، هادئة في ملامحها، عميقة في أثرها. ومن عرف رائحة ترابها، أدرك أن للأمكنة أوطانًا داخل القلب وأن الشراكة حين تُبنى على الذاكرة والملكية والعدل، تصنع مستقبلًا لا يغادره الأمل.

