: آخر تحديث

الأخلاق.. كمقياس للنجاح

9
8
7

للأخلاق دور رهيب في تشكل عقلية البشر، وفي قوة شعورهم بالقرب أو الانتماء للإنسانية، والمشكلة أن قضية «الأخلاق» تختلف من منطقة لأخرى، ومن زمن لآخر، ومن شعب لشعب آخر، وكان لابد من إيجاد صيغة عالمية تركز على الأخلاق كقيمة إنسانية، ومن هنا جاءت فكرة «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»! يكمن جَوهر الأخلاق في البروتستانتية، كما صاغه عالم الاجتماع «ماكس فايبر» في كتابه «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية»، في قدرتها على تحويل العمل الدنيوي المنظم إلى واجب ديني وأخلاقي، مع حياة متقشفة ومنضبطة، بحيث يصبح النجاح الاقتصادي علامة على الجِدّ والانضباط لا على حب الدنيا فقط. فأي مهنة شريفة يُنظر لها كتكليف سماوي، يجب أن تؤدّى بأقصى جدية وانتظام، وليس مجرد وسيلة للرزق أو التسلية، كما أن الزهد الدنيوي يُشجّع المؤمن على الكسب العقلاني المنظم، مع الامتناع عن البذخ والترف والإنفاق الاستعراضي، فيُعاد استثمار الأرباح بدلاً من تبديدها في المتع. ولو نظرنا لسكان ما يسمى بالمدن الكالفينية، مثل جنيف وزيورخ وأمستردام، لوجدنا أنها اعتمدت قيماً صارمة، مثل منع البذخ، تنظيم الوقت والعمل، مراقبة السلوك العام، وتشجيع التجارة المنضبطة والادخار، وربط التقوى بالالتزام بالعمل والحِرَف والتجارة، فصار التاجر والمصرفي، المجتهد والمتقشّف، نموذجاً أخلاقياً محترماً، وأدى ذلك لانتشار ثقافة اليوميات، مسك الدفاتر، والالتزام الصارم بالعقود، مع حياة منزلية بسيطة نسبياً، وهذا ما طبقته إنكلترا والولايات المتحدة المبكرة، من خلال البروتستانت المتشدّدين، أو البيوريتان، من خلال تمجيد «الرجل العصامي» الذي يبني نفسه من خلال العمل والانضباط والاقتصاد في الإنفاق، مجسّداً نموذج الأخلاق البروتستانتية في الحياة اليومية والاقتصاد المحلي، ولا يعني ذلك أن الآخرين لم يطبقوا هذه الأخلاقيات، فهذا ما يؤخذ على فايبر، ضمن أمور أخرى، أي مبالغته في دور الدين البروتستانتي والتقليل من العوامل الأخرى. كما أن مظاهر الرأسمالية الحديثة ظهرت في مدن ومناطق كاثوليكية أيضاً، مثل إيطاليا وفرنسا، قبل انتشار الكالفينية، ما يضعف الربط الحصري بين البروتستانتية ونشأة الرأسمالية، وبالتالي فإن هذه القيم ليست حصراً على البروتستانت، بل لها قيم مشابهة في الكاثوليكية واليهودية والإسلام والكونفوشيوسية، التي تكمن غاية الأخلاق فيها في تكوين الإنسان النبيل، القدوة لأسرته ومجتمعه، والأخلاق فيها ليست تأملاً نظرياً فقط، بل هي مشروع تربية وسلوك يومي، يربط بين الفضيلة الشخصية، والانسجام الاجتماعي والحكم الرشيد، يختلف الإسلام عن البروتستانتية في أمور كثيرة (بالرغم من ان بعض المفكرين يجدونها أقرب للإسلام من الكاثوليكية، مثلا). في البروتستانتية نجد أن الخلق الصالح، والعمل الطيب، ينتج عنهما الإيمان الصحيح. أما الإسلام فإنه دين يتطلب زيادة على ذلك القيام بمجموعة من الطقوس الدينية اليومية والفصلية كشرط للنجاة يوم القيامة، والمتمثل بدخول الجنة. فلا يكفي التصديق القلبي وحده، بل لا بد من الإيمان بأمور محددة واضحة ومعروفة، المصحوبة بأداء العبادات في مواقيتها، وفي أماكنها الصحيحة.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد