محمد ناصر العطوان
قديماً قالوا «لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة»، ولكنهم نسوا أن يضيفوا أن لكل باب مفتاحاً إلا «أبواب التاريخ»، فهي لا تُفتح إلا لمن ملكَ «كلمة السر» أو كان بصحبة «الكرام»... ونحن في بغداد، تلك المدينة التي كلما نفضت غبار الحزن عن وجهها بانت ملامح «شهرزاد» الحسناء، وجدنا أنفسنا أمام حال استثنائية.
ففي يوم عطلة رسمي، حيث يخلد الموظفون إلى النوم، وتغلق المؤسسات أبوابها بالقفل والمفتاح هرباً من «عوار الرأس»، فُتحت لنا أبواب المتحف العراقي على مصراعيها، في كرمٍ لا يجيده إلا أهل العراق، وبترتيب خاص من «مراسم» لا تعرف الروتين، يمثلها السيد الفاضل حازم السعدي، من الأمانة العامة لمجلس الوزراء، الذي قرر أن يكسر روتين الإجراءات البيروقراطية لكي نتمكن من الزيارة قبل السفر.
دخلنا القاعة، ولم نكن وحدنا؛ كان الوفد يضم قامات لها ثقلها... كان معي سعادة وكيل وزارة الإعلام، الأخ العزيز ناصر محيسن، الذي بدا في وقفته أمام الآثار وكأنه يعقد «اتفاقية صمت» مع التاريخ، يتأمل كيف بنى الأقدمون مجداً بالحجر، ونحن نحاول ترميم واقعنا بـ «الهاشتاغات»... وكان معنا أيضاً عين الأمن الساهرة، السيد محمود الفيلكاوي، مدير إدارة الأمن والسلامة، الذي ربما كان يتفحص بعين الخبير كيف استطاع الآشوريون تأمين هذه التماثيل الضخمة لآلاف السنين دون كاميرات مراقبة أو بوابات إلكترونية.
في الواقع، كان يفترض أن يكون معنا في الوفد أيضاً الدكتور صالح العتيبي، مدير إدارة التخطيط الإستراتيجي، والسيد أسامة المخيال، مدير إدارة السياحة... ولكن يبدو أن «التخطيط الإستراتيجي» لم يضع في اعتباره وضع «خطة إدارة مخاطر» لوجبة «الكاهي والقيمر» التي تناولناها صباحاً!
لم تتحمل أمعاؤنا الكويتية دسامة الوجبة العراقية «الثقيلة العيار»، فأصيب الزميلان بوعكة صحية تكتيكية منعتهما من القدوم، وتركونا نواجه التاريخ وحدنا.
وقفنا نحن الثلاثة فقط -بأمعاء تترقب- أمام «الثور المجنح» (اللاماسو)، ذلك الكائن الأسطوري الذي يجمع بين حكمة الإنسان وقوة الثور وشموخ النسر... نظرت إليه ونظر إلينا، وكأنه يقول: «يا سادة، لقد مر من هنا الغزاة والفاتحون والملوك والصعاليك، وذهبت ريحهم وبقيت أنا... فماذا أنتم فاعلون؟».
وقفت أمامه وقلت في نفسي: «لم أفعل شيئاً... لقد جئت لأرى بغداد عاصمة السياحة العربية لعام 2025، ولا أضمر شراً ولا أحمل سلاحاً»... أما سعادة الوكيل، فكان يتأمل جبروت هذا الكائن في لحظة جعلتني أشعر بضآلة «الأنا» أمام عظمة أجداد صنعوا هذا التاريخ.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، لم نكتفِ بالنظر إلى التماثيل العملاقة، بل أخذتنا الأرجل إلى حيث يرقد التاريخ مكتوباً... رأينا تلك المنشورات الطينية التي سجل عليها الملوك انتصاراتهم... وتذكرت حينها كيف نكتب نحن تاريخنا اليوم على «سيرفرات» «مايكروسوفت» التي قد تُمحى بـ «زر»، بينما هم نحتوا حروفهم على الطين المشوي لتبقى «شوكة» في حلق الزمن.
تجولنا بين الخزائن الزجاجية التي تحوي قطعاً من العاج والعظم، دقيقة الصنع، تشهد بأن هذا الشعب لم يكن مجرد «بناء طوب»، بل كان صاحب «مزاج» وفن وذوق رفيع، يصنع من العظم تحفاً تنطق بالجمال... ووقفنا أمام الخريطة الكبرى للإمبراطورية الآشورية، التي تمددت حتى ابتلعت نصف العالم القديم، لنرى كيف كانت الحدود «سائلة» قبل أن يرسم «سايكس وبيكو» خطوطهم بالمسطرة والقلم.
لقد كانت زيارة بطعم «الدهشة»، وشعوراً مختلطاً بين الفخر بما كان، والحسرة على ما صار، والأمل فيما سيكون... خرجنا من المتحف محمّلين بطاقة غريبة، مودعين السيدة الفاضلة التي كانت ترشدنا، بامتنان من وجد في بغداد «أهلاً» وفي العراق «كرماً».
هذا، وإن كان في العمر بقية، فلنا عودة... لآخذ معي زوجتي ونجلس على نهر دجلة ونشرب الشاي العراقي ثم نذهب لأحد المطاعم الشعبية لنأكل «كبة سراي»... وفي رحلة أخرى أخذ صديقي محمد الرياحي، ليس فقط لنرى التاريخ، بل لنتعلم كيف يخرج «العنقاء» من الرماد في كل مرة، فشكراً لبغداد، وشكراً لمن فتح الباب.
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

