: آخر تحديث

بين الشكّ واليقين

4
4
2

ليلى أمين السيف

في زاوية هادئة من البيت، وبين تنهيدة قلبٍ أثقله الوجع، دار بيني وبين أخي حديثٌ لا يشبه الأحاديث. لم يكن حوارًا عابرًا، بل صدامًا بين ألم الواقع وبريق الإيمان. قال أخي، وهو يتأمل أمّنا الحبيبة طريحة الفراش: «ليلى.. سأسألك سؤالا ولا تزعلي من طرحي»

«لقد كانت أمي دوما تدعو ألا يحوجها الله لأحد وكانت دوما تقول «اللهم لا تطرح ولا تفضح»، وها هي عاجزة الآن».

كلماته كانت كأنها سكينٍ في خاصرة الرجاء، ومع ذلك شعرت بحيرته وألمه، كانت نابعة من قلبٍ أخر العنقود حبيب أمه كان متألّمًا، لكنّه لم يدرك بعد وجه الرحمة في ما نراه بلاء فهو لم يفقه سر القدر بعد.

مستشعرة بنسائم اليقين تتسلل إلى قلبي، قلت له:

أولاً، الدعاء ليس ضمانًا لعدم الابتلاء، بل هو سلاحنا حين يشتدّ البلاء. وهو النجاة، في خِضَمّه الله سبحانه وتعالى ينقي عباده ليُخفّف عنهم قبل أن يلقوه. من منا بلا ذنوب؟ بلا خطايا. بل لولا رحمته ما ابتلانا. هي دعت ألا تُهان أو تُترك. هي دعت، والله استجاب، لكن بحكمته لا بحكمتنا. ما خذلها، بل أحاطها بمن يحبونها ويقومون على خدمتها وفعلوا ما لم يفعلوه وهي تعي عندما كانت بصحتها وعافيتها، وهذه استجابةٌ أبلغ من الشفاء.

أما قولها: يا رب لا تحوجني لأحد، فليس معناه أنها لن تمرض. بل معناها: لا تذلني، لا تفضحني، لا تتركني. وها نحن بجوارها، نخدمها بمحبة، أليس هذا عين الاستجابة؟

ثم ذكّرته بقوله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}.

تأمل قليلاً، لكن نظراته بقيت مشوشة. فتابعت:

يا أخي، الإيمان ليس تجارة، ندعو فنُعطى فورًا. بل هو تسليم، أن الله يعلم ونحن لا نعلم. لو كنا نعبد النتائج، فنحن نعبد التوقع، لا الله، اليقين الكامل الكامن في ثنايا العقول وبين الضلوع.

سألني برجاء وخوف:

«إذا كان الدعاء لا يغيّر الواقع، فما فائدته إذاً؟»

قلت له، بهدوء الإيمان الذي لا يُرى بل يُعاش. «بل هو يُغيّر الكثير. الدعاء أمرٌ إلهي ووعدٌ بالإجابة.

سورة غافر: (60) {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}

هذه الآية وحدها تكفي لأن توقظ في القلب يقينًا لا يهتز: أن الله أمرنا بالدعاء، ووعدنا بالإجابة. وليس بعد كلام الله وعد أصدق.

والاستجابة ليست دومًا بما نطلب، بل بما نحتاج وهو العليم بنا والقريب إلينا. أحيانًا تكون رحمةً على هيئة صبر، أو دفع بلاء، أو أُنسٍ من الله في لحظة ضعف. الدعاء يغيّرنا نحن. يرزقنا الطمأنينة، يُخفّف، يرفَع، يصرف شرًّا أعظم، أو يدّخر أجرًا. بل إن مجرد توفيقنا للدعاء استجابة بذاتها.

وأضفت، والدمعة تكاد تسبقني:

إن كنا لا نؤمن بالدعاء لأنه لم يأتِ بنتيجة ماتوقعنا، فنحن لا نثق بالله، بل نغضب لأنه لم يحقق أهواءنا. لكن من عرف الله حقًا، علم أن كل دعاء مستجاب، بحكمة الله، لا بأحلامنا.

{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} (سورة الطور: 48)

حتى في أشد لحظات الضعف، هناك عناية إلهية لا تغفل. {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} ليست مجرّد استعارة بل يقين نعيش به.

ها هم إخوتك وأحفادها، يأتون من كل صوب، يتناوبون على خدمتها بمحبة لا تُطلب، وحنان لا يُشترى. حتى أولئك الذين غابت وجوههم في عزّ مرضها.. صديقاتُها اللواتي هجروها بصمتٍ مؤلم، عدن الآن يحطنها بالدعاء والزيارة والاعتذار.

ولم تنتهِ الكرامة عند العتبة، بل امتدت إلى أسِرّة المستشفى.

ها هي، مستلقية بطمأنينة، لا تدري من ينوب عنها، ولا تطلب من أحدٍ شيئًا.. ومع ذلك، تجد من يسهر على راحتها: أطباء، ممرضات، أبناء، وأحفاد.. كلهم يدورون في فلك عافيتها، دون أن تشير إليهم بطلب، أو تشتكي من تقصير.

تلك هي محبة الله حين تتجلّى في رعايةٍ لا تُرى إلا بالقلوب.

تلك هي الإجابة التي تأتي صامتة، ولكنها أبلغ من كل الكلمات.

هذه محبة الله لها وقد أكرمها. أما نحن، فنقف في زوايا الشك، لا ندعو إلا حين نضيق، ولا نصبر حين نُبتلى، ولا نرضى إلا بما نشتهي.. فكيف لا نخسر، ونحن لا نُبصر سوى ما نريد؟ فما أشد خسارتنا.

ابتسم أخي بصمت، وكأن شيئًا ما تحرّك في داخله، فقلت له:

{أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} (سورة النمل: 62)

حين يُغلق عليك كل باب، يبقى باب الله مفتوحًا. وإذا نادى المضطر من أعماق وجعه، استجاب له من بيده الشفاء والفرج.

ثق أنك إذا دعوت، فقد استجاب الله لك حتى قبل أن تدعوه فالذي وفقك للدعاء وسمح لك أن ترفع يديك له حتما ولابد أنه يحبك وحتما وبلا شك فهو قد أستجاب، وكل عمل صالح تعمله فهو دلالة على محبة الله لك.

فما من نبي إلا ومرّ بابتلاء، وما من قلب عظيم إلا وانكسر ذات يوم بين يدي الله.

أيوب بكى ضرّه، وزكريا ناجى وحدته، ويونس دعا في الظلمات، ومحمد صلى الله عليه وسلم خرج من الطائف مُدمى القدمين، لا يحمل إلا دموعه ويقينه.. ومع ذلك، لم يقل أحدٌ منهم «لماذا؟» بل قالوا جميعًا: «يا رب»

فكثيرًا ما نظن أن الأنبياء خُصّوا بالمعجزات فقط ليُثبَت صدقهم، لكن الحقيقة الأعمق: أن تلك المعجزات ما كانت إلا دروسًا حيّة لنا نحن الذين نأتي من بعدهم.

فالله لم يشقّ البحر لموسى فقط لينجو، بل ليعلّمنا أن لا نخاف حتى لو انغلقت السبل، فالبحر الذي أمامك قد ينشق بلحظة.

ولم يترك الله أيوب يعاني المرض والخذلان إلا ليقول لكل مريضٍ بعده: «الرحمة تأتي، فقط اصبر».

وزكريا لم يُرزق بالولد وهو شيخ إلا ليعلّمنا أن الأمنيات لا تموت، ما دامت معلقة بالله.

ويوسف لم يُبتلَ بفقد الأهل، والسجن، والخيانة، ليكون نبيًا فقط، بل ليقول لكل مظلومٍ بعده: «اصبر، فالسجن ليس النهاية، والخيانة لا تُسقط الكرامة.»

لم تكن معجزات الأنبياء زينةً في قصص، بل كانت رسائل خالدة تقول لنا.

كل ما مرّوا به، سنمرّ به نحن بطريقةٍ أو بأخرى. ولكن، كما نجاهم الله.. «سينجينا».

إنها ليست حكايات بعيدة، بل خرائط نجاة. فقصص الأنبياء لم تُخلَد في القرآن فقط للعبرة، بل لتكون عزاءً للمكروبين، وأمانًا للقلوب التي تثقلها الأسئلة.

والدعاء فيها لم يكن زينة الخطاب، بل حبلاً ممتدًا بين الأرض والسماء.

وهذا هو سر الدعاء: أن تُلقي عنك ثقل الإجابة، وتستسلم لعظمة الحكمة. أن تقول:

«يا رب، إن لم يكن بك عليّ غضب، فلا أبالي»

أن تؤمن بأن الله يسمعك إذا دعوت، ويراك إذا ضعفت، ويعلم ما لا تُفصح عنه، ويرتب لك ما هو أنفع لك.. وإن خالف رجاءك.

فإذا كنت تتساءل:

«هل يُجدي الدعاء؟»

فتأمل مرة أخرى يا أخي الحبيب:

كم لبث أيوب؟ كم انتظر زكريا؟ كم ضاق الأمر بيونس؟

ثم..

كيف كانت الاستجابة عميقة، ومذهلة، وكريمة

فليكن في قلوبنا من يقينهم بعضُ ما يكفينا، ولندعُ الله كما دعوا، بقلوبٍ تحسن الظن، وتنتظر الخير، مهما طال الطريق.

ادعُ، وأعلم أن الله يختار لك الأفضل. ليس ضعفًا أن تتألم، ولكن الإيمان أن تتألم وتدعو، وتثق أن الله لن يردّك خائبًا كيفما كانت طريقة الإستجابة فأنت بمعية الله.

ادع وسترى أن الاستجابة عميقة، ومذهلة، وكريمة

فالدعاء ليس مجرد طلب، بل عبورٌ نحو الله

ومن عبر إلى الله.. لم يُخيب الله خطاه.

وهكذا، لم يكن حوارنا نقاشًا، بل كان جلسةَ كشفٍ روحي، علمتني فيها أمي – من على سريرها – درسًا جديدًا في معنى الرضا، ومعنى الدعاء ومعنى حب الله لعبده.

** **

- كاتبه يمنية مقيمة في السويد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد