: آخر تحديث

صحوي بمواصفات الرؤية

2
2
2

علي بن محمد الرباعي

يمكن لأي مقتدر مالياً، أن يطلب من مصنع سلعة بمواصفات، يحددها مسبقاً، ويشترطها على الشركة المنتجة أو المصنّعة، فالمواصفات في البضائع، والمنتجات؛ عرف تجاري من أعراف السوق، القائم على الحرص على إرضاء العميل، إلا أنه إلى الآن لم نسمع عن صناعة إنسان بمواصفات ومقاييس، برغم أن هناك بشراً، يمتلكون القدرة والخبرة واللياقة على إعادة إنتاج أنفسهم، بحسب ما تقتضيه المصلحة والظروف العصيبة.

ولعلنا نشاهد اليوم ونسمع بعض الصحويين المتقمّصين أدواراً تنطلق من أدبيات ومبادرات رؤية ٢٠٣٠، وتطبيقها باحترافية ما يُوحي بأن كل الصحوة هُراء، أو أنّ وراء الأكمة ما وراءها؛ إلا أن من العدل، أن نؤمن بأن الوطن للجميع، خصوصاً إذا كانت الصحوة (تديّناً) وأسلمة شكليّة فقط دون أدلجة أو انتماءات لجماعات الإسلام السياسي؛ الكافرة بالأوطان، والساعية لإقامة مشروعها، وإن اقتضت المنعطفات، المهادنة والتسليم بالأمر الواقع (ظاهراً) لبعض الوقت لا كُلّه.

ويمكن القول إن وسائل التواصل الاجتماعي عامرة وحافلة بما يؤكد أن للصحوة مظهراً ناعماً، وملمساً خدّاعاً، كما لها مخبر في أنيابه العطب، ولدى الصحويين مهارات التكيّف والتلوّن، وسرعة ردم الهوّة بينهم وبين الدول أو الحكومات، والتزيين بديكور المرحلة، فالتكتيك حاضر، والإستراتيجية قائمة؛ وتأمين فرص العودة، وخط الرجعة من الضرورات؛ فربما تكون اللحظة مؤاتية فالاستعداد والإعداد أصيلان في المنهج، وهناك شيفرات مُعلنة وخفيّة، ضابطها مراعاة التوقيت، مع التشبث بالمشهد، تفادياً للنسيان، ولكي لا يفتقد المجتمع (الصحوة) ويعتقد بأن ورقتها احترقت.

يعيش الصحوي عالماً ليس من صناعته، وربما يؤدي مهاماً لا عن قناعة، ومما كشفته التحريّات عن أدبيات (جماعة الإخوان المسلمين) أنهم قادرون على التموضع الديناميكي، ومع تمسكهم وتسليمهم، بفتاوى تحريم، إلا أنهم يمكن أن يعتبروا الأغاني من الحُداء المباح، والترفيه؛ ترويح عن النفس، والانفتاح مما عمّت به البلوى، والرقص الفلكلوري نشاط بدني رياضة؛ وهكذا كل ما كان يقع سابقاً في دائرة الحرام، يضعون له تخريجات؛ ويتبادلون المواقف والمواقع؛ كون الحرب خدعة، والسوانح تجيء وتروح.

ولأن من الصحويين من يؤمنُ جازماً، بأن السياسة جزء من الدِّين، منذ رفع شعار (لا حُكم إلا لله) الذي اعترض به الخوارج على التحكيم في معركة صفّين؛ إلى زمن اشتقاق مصطلح (الإسلام هو الحلّ)، فهو مسكون بهاجس خلافة موعود بها ذهنياً أو وجدانياً أو منامياً، ويستبطن ماضياً لا يستبعد إمكانية عودته أو إعادته؛ كما أنه يعوّل على الغيبيات المستقبلية، وكل ما يمر به أو عليه من قمع وتقنيع؛ يدرجه في خانة الابتلاء؛ بسبب أخطاء يمكن الاستدراك عليها ومعالجتها؛ ولعل هذا ليس حصراً على المؤدلجين من المسلمين، بل نجده في أتباع أديان سماوية ووضعية، وإن كان مُشوهاً لأنه يسير عكس اتجاه الزمكان.

للدولة مؤهلات حضارية لا تملكها جماعات الإسلام السياسي، ولا تريد امتلاكها؛ منها الحرص على احترام حقوق الإنسان، وتفعيل دور المؤسسات المتجذّرة، وتحديثها، ومركزية القرار، وتراكمية الخبرة، والالتزام بالعهود الدولية؛ ما يعزز طمأنينة المجتمعات للدولة المدنية، لا الدينية؛ كونها ذاقت على أيدي رافعي شعارات الإنقاذ الويل والثبور، ولم تُثبت الزوايا الحادة والمُنفرجة؛ صدق النوايا.

ومن يتابع، مراجعات وتراجعات تيار الإسلام السياسي في العالم العربي، يصل إلى يقين بأن هذه التيارات مُبرمجة وفق ثوابتها المرنة؛ حد التماهي مع المراحل، على تقييم المراحل، وقراءة التحولات، وتحليل الأحداث؛ وترتيب نفسها وفق معطيات كل مرحلة؛ وبمتابعة شخوصهم تجدهم في المناسبات والفعاليات، محافظين على المظهر ومتماهين مع اللحظة الراهنة، وإن لم تنسجم الصورة المُركّبة تركيباً إجبارياً، مع ما يحيط بها أو ما هي فيه.

لفتت انتباهي خلال أعوام مضت؛ نماذج صحويّة تتبنى أدبيات رؤى دول عربية بصورة مبالغ فيها (من وجهة نظر المراقب) كونه ليس من السهل الانتقال بسرعة البرق من الأدلجة إلى الوطنية، ومن الكفر بالأنظمة إلى الإيمان بها، بل والتقرب إلى الله بمحبتها! والإسهام بمبادرات فيها من الانفتاح والتحرر من القيود، ما يثير أسئلة ورِيبة.

بالطبع تعوّدت المجتمعات على كائنات حربائية، تغيّر لونها، وثعابين بشريّة لديها قابلية لخلع جلدها؛ والظهور بغيره، إلا أن الحربائيين ليسوا مؤدلجين على طول الطريق، وإنما نفعيّون يتعاملون مع كل موقف، أو تحوّل بقدر ما يحقق من براءة أو ينفي تهمة.

ولربما من النادر جداً؛ أن ينصرف صحوي من الساحة، ويعتزل المشهد، ويتفرغ لعمله (الحكومي) أو الخاص؛ أو عبادته، وينأى بعيداً عن الشأن العام؛ فما تنصّ عليه كتب التنظيمات، من عناوين وموضوعات؛ تؤكد حق الحضور والمشاركة، والحد من فرص مكونات في الحلول محلهم، وإن لزم من ذلك تقديم بعض التنازلات.

ولو ذهب البعض إلى أن هذا المقال تحشيدي، وتعبوي، لتجييش مراكز ومؤسسات للتصدي لكل الصحويين السابقين، والحدّ من نشاطهم المتجدّد، فربما أنه أبعد النُّجعة وأغرق في النزع، فالمؤسسات المعنية أقدر على رصد أي خطر يهدّد أمن البلاد والعباد، وليس من الحكمة ولا من الموضوعية المزايدة على نباهة المسؤولين، كما لا يجوز التألّي على الله.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد