هناك مشكلتان آنيتان مؤرقتان مرتبطتان ارتباطاً لا فكاك منه بالقضية الفلسطينية الأم، لا بل هما في لب القضية: الصراع الفلسطيني - الفلسطيني على الاستحواذ على القضية والتفرد بإدارة الصراع حولها (سياسياً وعسكرياً)، والأزمة اللبنانية المستعصية على الحل.
ليست الأزمة في لبنان في العمق خلافاً على المناصب والامتيازات والمكاسب فحسب، هذا وجه مهم من وجوه الأزمة لكنه ليس كل الأزمة. الأزمة في العمق في مكان آخر، وكل الكلام السياسي الداخلي والتحليلات العقيمة على شاشات التلفزيونات هي من قبيل التسلية ليس إلا. الجميع يقارب المشكلة من حيث أعراضها لا من حيث جذورها.
صحيح أن اللبنانيين مختلفون على كل شيء تقريباً، إلا أن هناك أموراً قد تكون تسويتها ممكنة ولو بالتقاسم والمحاصصة وتوزيع الغنائم. الخلاف الحقيقي أبعد من ذلك بكثير، وهو خارج سلطة السياسة اللبنانية وأكبر من كل الطبقة السياسية االلبنانية.
قدر لبنان أن يكون على حدود فلسطين وفي قلب قضيتها، وأن تكون فلسفة سياسته تاريخياً أن يكون ضعيفاً، وهو ما أتاح في فترة غليان شعبي عربي ويأس من قدرة الأنظمة على تحرير فلسطين بعد حربين مُنيت فيهما الجيوش النظامية العربية بهزيمتين مدوّيتين، أدت الأولى في 1948 إلى النكبة والثانية في 1967 إلى استكمالها وتوسيع جغرافيتها، أتاح للقوة الصاعدة للمقاومة الفلسطينية أن تتمركز في الجنوب اللبناني على حدود فلسطين المحتلة لتبدأ من هناك "حرب تحرير"، كانت محصلتها أن أصبحت في تونس بعد اجتياح 1982 الإسرائيلي.
من عاصر فترة ما بعد هزيمة 67 يذكر هالة "القداسة" التي أحاطت بـ"الفدائيين" آنذاك. كان نضالاً مقدساً قبل أن ينزلق رويداً رويداً في زواريب السياسة اللبنانية والعربية وأجهزة استخباراتها ومصالحها المتضاربة، وسعيها للإمساك بالورقة الفلسطينية والتفاوض باسمها وعليها حتى ضاعت القضية وبات الصراع الفلسطيني الداخلي هو عنوان المرحلة من غزة إلى الضفة إلى مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان.
مخيم عين الحلوة "كيان" فلسطيني داخل الكيان اللبناني، والكيانان متلازمان ومشكلتهما عمرها من عمر القضية الفلسطينية. وسيبقيان متلازمين إلى ما شاء الله.
أخرجت منطمة التحرير الفلسطينية من لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي في 1982، أسقط اتفاق القاهرة الذي كان أعطى الفلسطينيين حق التمركز في جنوب لبنان لقتال إسرائيل في لحظة توتر داخلي وتحت تأثير الخوف من اندلاع حرب لبنانية - فلسطينية. لكن ما ظنته إسرائيل وحلفاؤها ومؤيدوها نهاية للصراع لم يكن كذلك أبداً، ولن يتحول الجنوب اللبناني بؤرة أمان للمستوطنات الشمالية. سينشأ صراع جديد بأدوات جديدة وسيكون عنوانه تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي وعملائه.
لحظة خروج منظمة التحرير من لبنان كان "حزب الله" قيد التشكيل. خرجت المنظمة ودخل الحزب. وكما دخلت المقاومة الفلسطينية من باب "الفداء" و"الشهادة" المقدس، دخل "حزب الله" من باب المقدس أيضاً عبر "الفداء" والشهادة".
وكما المقاومة الفلسطينية، كما الحزب، الابتعاد من السياسة الداخلية بداية ثم الانغماس فيها حتى الأذنين. مقاومة إسرائيل تحتاج تغطية وتحالفات وإمدادات وطرقاً وأمناً ومؤسسات ولوجستيكا... هكذا تجذرت المقاومة الفلسطينية في الحياة السياسية اللبنانية، وهكذا تجذر الحزب الذي أصبح القوة الأكبر وصاحب القرار الأول في السياسة اللبنانية، مع امتياز واضح للحزب هو أنه حزب لبناني لا يمكن نعت مقاتليه بـ"الغرباء" كما كان يُنعت الفلسطينيون، فهم لبنانيون ينتمون إلى مكوّن طائفي أساسي في البلد. ولعل من الصعوبة بمكان إقناع الشيعة في لبنان وشيعة الجنوب خاصةً بالتخلي عن السلاح. الأمور واضحة بالنسبة إليهم: لولا السلاح لا نستطيع البقاء في مدننا وقرانا، ولا نستطيع بناء حجر على حجر، ولا أن ننعم بهدوء يدوم سنوات وسنوات. وهنا لب المشكلة. لبنانيون لا يريدون التخلي عن السلاح، ولهم حججهم، ولبنانيون آخرون يرون أن المشكلة كلها في السلاح، ولهم حججهم أيضاً. وجميعهم متمسكون بقناعاتهم ويدافعون عنها بقوة وبتحد وعنف أحياناً.
لكن هل السلاح هو شأن لبناني داخلي يمكن التفاوض عليه؟ بالتأكيد هو شأن لبناني، لكنه أيضاً شأن إيراني وسوري وعربي، وفي العمق شأن فلسطيني. فلسطين حاضرة في كل أزمات المنطقة ودولها وأحزابها ومشاريعها، فإن لم يكن ذلك في الصراع المباشر مع إسرائيل ففي الصراعات الداخلية والمحاورية.
قد يجد لبنان حلولاً ترقيعية لأزمته، أو لأزماته المتلاحقة، لكن حبل سرة أزمته مربوط دائماً وأبداً بحبل سرة أزمة فلسطين. هذا حكم التاريخ والجغرافيا والسياسة وأشياء أخرى.

