فيما دخلت الحرب الروسية على أوكرانيا شهرها الثاني، من دون أن يفلح الجيش الروسي في إحراز تقدم ذي مغزى استراتيجي، يستعد العالم، ربما، لحرب استنزاف طويلة يخوضها الغرب ضد روسيا بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين، على أمل أن تنتهي الحرب من دون أن تحصد روسيا المكاسب التي كانت تنتظرها من "العملية العسكرية الخاصة".
وبما أن العالم يستعد لحرب استنزاف طويلة تدور على أكثر من مستوى، ميداني في أوكرانيا، اقتصادي ببعد عالمي، واستراتيجي متصل بشكل تكتلات ما بعد حرب أوكرانيا، فإن النتائج المترتبة على ذلك ستكون عميقة في الشرق الأوسط.
منطقة الشرق الأوسط تمكن قادتها الرئيسيون من أن ينأوا ببلادهم عن الصراع الدائر بين الغرب وروسيا (ومن بعيد الصين). وثمة غليان على صعيد حركة قادة دول المنطقة، إذ لم تشهد الأخيرة زحمة قمم ولقاءات متعددة الأطراف كما شهدت في الأيام القليلة الماضية. ففي أقل من أربعة أيام، عقدت في شرم الشيخ قمة ثلاثية ضمت قادة مصر والإمارات وإسرائيل، ثم عقدت في العقبة قمة رباعية ضمت قادة الأردن ومصر والإمارات والعراق، فلقاء على مستوى وزراء الخارجية ليومين في إسرائيل لمناسبة زيارة وزير خارجية الولايات المتحدة أنتوني بلينكن، يضم وزراء خارجية الإمارات والمغرب والبحرين.
هذه الحركة الكثيفة في المنطقة تدل على أمرين مهمين: الأول، أنها تشكل رافعة لمسار تنسيقي في المنطقة في ضوء التحولات الخطيرة التي يشهدها العالم، ليس فقط بالنسبة إلى الحرب الميدانية في أوكرانيا، بل أيضاً بالنسبة إلى التداعيات الاقتصادية العميقة التي ستولدها الحرب التي تمثل في مكان ما نهاية مرحلة تاريخية بدأت مع انهيار جدار برلين عام 1989، وبداية مرحلة تاريخية لم تُعرف معالمها بعد، ويجري رسمها من خلال المواجهة الكبرى الحاصلة بين عالمين متصارعين على حافة الهاوية الكبرى، أي باحتمال الانزلاق نحو حرب نووية، وإن محدودة في أوروبا. والثانية أن أحلافاً إقليمية بدأت تتبلور بمعزل عن مظلة القوى العظمى، وتأخذ في الاعتبار المصالح القومية القائمة بالتوازي مع السياسة والأمن والدفاع والاقتصاد. وقد نجحت هذه الأحلاف في كسر الحواجز الموروثة عن صراعات القرن الماضي.
هذا المعطى ظاهر في وجود الشريك الإسرائيلي إلى الطاولة، إلى جانب كبريات الدول العربية المركزية، إما مباشرة أو بالواسطة.
تشكل منطقة الشرق الأوسط حلقة رئيسية في المسرح العالمي. فبعد مرحلة من التهميش المتعمد من الغرب، عادت المنطقة والدول المصدّرة للنفط والغاز فيها إلى صدارة المسرح الجيوستراتيجي العالمي، على خلفية إطلاق حزمات العقوبات الغربية على روسيا، ومحاولة الغرب، ولا سيما أوروبا، خفض اعتمادها على واردات النفط والغاز من روسيا التي جعلتها مع الوقت أسيرة لعلاقات غير متكافئة مع موسكو، صاحبة الطموحات التوسعية في مداها "الحيوي" التاريخي الموروث بنظرها عن الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفياتي.
من هنا أهمية الإصرار الغربي على دول المنطقة، لا سيما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر، لرفع حجم إمداداتها من النفط والغاز الطبيعي.
في حالتي السعودية والإمارات، شكل الإصرار الغربي مناسبة لاتخاذ البلدين المركزيين في المنطقة مواقف ذكّرت الولايات المتحدة والغرب عموماً، بأن هاتين الدولتين ليستا تابعتين، ولا يمكن أن يتسم سلوك إدارة الرئيس جو بايدن معهما باستهتار فاضح بمصالحهما القومية على أكثر من صعيد، وأن يطلب في الوقت عينه منهما أن تصطفا خلف واشنطن في خياراتها الدولية من دون طرح سؤال واحد. هذا ما دفع كلاً من الرياض وأبو ظبي إلى التمسك باتفاقات مجموعة "أوبك بلس" ورفض رفع حجم إنتاجهما من النفط. وأتى ذلك الموقف بعدما لمست العاصمتان الخليجيتان الانحياز الأميركي إلى إيران، وهرولة واشنطن وحليفاتها في أوروبا نحو طهران والعودة إلى الاتفاق النووي السيئ في الأصل، والذي منح طهران في المرة الأولى عام 2015 القدرة والوسائل لتمويل سياساتها التوسعية العدوانية في العالم العربي، تحت أعين إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي كان يضع الاتفاق وفتح الأقنية مع طهران في منزلة متقدمة على علاقات الولايات المتحدة التاريخية في المنطقة.
تأتي حركة اللقاءات الرفيعة المستوى في المنطقة، في ظرف دقيق جداً، لا سيما مع "التبشير" باقتراب إنجاز الاتفاق النووي مع إيران. وهو من الناحية العملية عودة إلى الاتفاق الأساسي المعقود عام 2015 الذي كان في الأصل سيئاً، ناقصاً، ضعيفاً وقصير المدة. وفيما يناور الإيرانيون من أجل رفع ما أمكن من العقوبات الأميركية عن شخصيات من النظام أو مؤسسات أمنية مثل "الحرس الثوري"، تمكن الروس من فرض استثناء على مبادلاتهم التجارية مع إيران، خصوصاً في المجال النووي المدني من العقوبات الأميركية – الغربية الأخيرة.
إن دول المنطقة العربية، ومعها إسرائيل، تعرف أن الاتفاق سيوفر لطهران أموالاً ضخمة (يحكى عن 100 إلى 130 مليار دولار أميركي) تخفف من أزمتها الاقتصادية المستديمة، وتساعدها على ضخ مليارات الدولارات لتزخيم سياساتها التوسعية العدوانية في المنطقة، من خلال تمويل الميليشيات التابعة لها في العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن. قسم كبير من الأموال سيستخدم في إطار زعزعة استقرار دول المنطقة وتهديد أمنها القومي. ولدينا مثال حي للدلالة على ذلك، وهو القصف المستمر انطلاقاً من اليمن الذي يستهدف بالصواريخ البالستية والمسيّرات المفخخة منشآت اقتصادية ومدنية في كل من السعودية والإمارات، تزامناً مع رفض ميليشيا الحوثي المشاركة في مشاورات سياسية مع بقية الأطراف في اليمن لحل الأزمة ووقف الحرب.
إنه قرار إيراني بالتصعيد ضد التعاون الإقليمي الذي يتوسع يوماً بعد يوم. فاستهداف منطقة مطار أربيل قبل عشرة أيام، واستهداف منشآت نفطية في محيط مدينة جدة قبل يومين، يندرجان في سياق واحد، هو إصرار إيران على سياسة التدخل في المنطقة بمعزل عن الاتفاق النووي. ومن هنا أهمية تعزيز التنسيق الإقليمي ورفع مستواه إلى مرتبة التحالف الإقليمي الذي يشبه إطاراً يزاوج بين صيغتي "حلف الناتو" و"الاتحاد الأوروبي".
المنطقة تحتاج إلى إطار تحالفي سياسي – اقتصادي – أمني وعسكري، يعالج الاختراق الكبير الذي حققته إيران في العقدين الماضيين. هكذا فيما يتشكل عالم جديد يخرج من ركام الحرب على أوكرانيا، فإن الإقليم أيضاً يبدو في طور التشكل على أسس جديدة.
زحمة قمم لإعادة تشكيل الإقليم
مواضيع ذات صلة

