تخوض حكومة علي الزيدي اختبارين غير مسبوقين يتمثلان في مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة. وبين تعقيدات الداخل وتشابكات الإقليم، تتحدد فرص نجاح مشروعها الإصلاحي أو انزلاقه إلى تسويات تعيد إنتاج أزمات العراق.
تشهد الساحة العراقية واحدة من أكثر المراحل السياسية حساسية منذ عام 2003، ليس لأن البلاد تقف أمام استحقاق حكومي جديد فحسب، بل لأن حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي وضعت نفسها، منذ يومها الأول، أمام ملفين شكّلا، على امتداد أكثر من عقدين، جوهر أزمة الدولة العراقية: مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة. وهما هدفان رفعتهما حكومات متعاقبة، إلا أن تنفيذهما ظل يصطدم بتشابك المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، فتحولت الوعود، في كثير من الأحيان، إلى تسويات أجّلت الأزمات بدلاً من معالجتها.
ولذلك، فإن نجاح الحكومة الحالية لن يُقاس بحجم الخطابات أو عدد القرارات المعلنة، وإنما بقدرتها على ترجمة تلك الشعارات إلى إجراءات تمس البنية العميقة لمنظومة النفوذ التي ترسخت داخل مؤسسات الدولة. فالإجراءات الأولى التي اتخذتها الحكومة في ملفات الفساد، والتي طالت عددًا من كبار المسؤولين في وزارة النفط، فتحت بابًا واسعًا للتساؤل: هل تمثل هذه الخطوات بداية حملة شاملة تتوسع كلما قادت الأدلة إلى مسؤولين في وزارات أخرى، وربما إلى شخصيات سياسية نافذة شغلت مواقع تنفيذية أو حزبية مؤثرة، أم أنها ستظل محصورة في حدود لا تمس مراكز القوة التقليدية؟
غير أن مكافحة الفساد ليست سوى أحد وجهي الاختبار الذي يواجه حكومة الزيدي، فالوجه الآخر يتمثل في ملف حصر السلاح بيد الدولة، وهو الملف الأكثر حساسية على الصعيدين الأمني والسياسي. ومن هنا، فإن مستقبل الحكومة سيتحدد بمدى قدرتها على إدارة هذين الاستحقاقين معًا، لأن نجاح أحدهما يظل ناقصًا إذا تعثر الآخر. فشبكات الفساد كثيرًا ما تستفيد من بيئة أمنية مضطربة، كما أن السلاح الخارج عن إطار الدولة يجد في الاقتصاد الموازي والفساد الإداري مصادر تمويل واستمرار.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع اقتراب الموعد الذي حددته الحكومة لإنجاز ملف السلاح، في وقت تتقاطع فيه الضغوط الداخلية مع حسابات إقليمية ودولية متشابكة. فالحكومة مطالبة بإثبات قدرتها على فرض سلطة القانون دون الانزلاق إلى مواجهة تهدد الاستقرار، كما أنها مطالبة، في الوقت نفسه، بالحفاظ على توازنات سياسية دقيقة يقوم عليها الائتلاف الحاكم. وبين هذين المسارين، يقف الزيدي أمام امتحان قد لا يحدد مصير حكومته وحدها، بل يحدد أيضًا ما إذا كانت الدولة العراقية قادرة على استعادة جزء من سلطتها التي تآكلت خلال السنوات الماضية، أم أن منطق التسويات سيبقى الإطار الذي تُدار من خلاله الأزمات الكبرى.
البدايات والظروف السياسية لتشكيل الحكومة
تولى علي فالح كاظم الزيدي، البالغ من العمر واحدًا وأربعين عامًا والمنحدر من محافظة ذي قار، رئاسة الوزراء في 14 أيار (مايو) 2026، ليصبح أصغر رئيس حكومة في تاريخ العراق الحديث. وجاء تكليفه مرشحًا توافقيًا بعد مرحلة من الاستقطاب السياسي الحاد، وفي ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة دفعت القوى السياسية إلى البحث عن شخصية قادرة على إدارة مرحلة مختلفة عنوانها الإصلاح واستعادة ثقة الشارع.
ولم يكن تشكيل الحكومة مجرد استحقاق دستوري، بل جاء في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، تتداخل فيها ملفات الأمن والطاقة والاستثمار مع إعادة رسم موازين النفوذ في المنطقة. وفي الداخل، كانت الحكومة تواجه، منذ يومها الأول، مطالب شعبية تتجاوز تحسين الخدمات وفرص العمل، لتصل إلى مطلب أكثر عمقًا يتمثل في استعادة هيبة الدولة، وإنهاء مظاهر الإفلات من العقاب، وبناء مؤسسات قادرة على فرض القانون على الجميع دون استثناء.
ومن هنا، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الحكومة تمتلك برنامجًا للإصلاح، بل ما إذا كانت تمتلك القدرة السياسية والمؤسسية على تنفيذه. فالتجربة العراقية منذ عام 2003 أظهرت أن التحدي لم يكن في تشخيص المشكلات، وإنما في القدرة على مواجهة القوى التي راكمت نفوذها داخل مؤسسات الدولة، واستفادت من هشاشة التوازنات السياسية لتعطيل أي مشروع إصلاحي يمس مصالحها.
اختبار 30 أيلول (سبتمبر): هل تحتكر الدولة السلاح؟
يمثل 30 أيلول (سبتمبر) 2026 نقطة التحول الأبرز في مسار حكومة علي الزيدي، إذ حددته موعدًا نهائيًا لإنهاء وجود السلاح خارج إطار الدولة، في خطوة تتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، والانتقال إلى مرحلة جديدة من التعاون الأمني الثنائي. وبذلك، لم يعد هذا التاريخ مجرد موعد إداري، بل تحول إلى اختبار مباشر لمدى قدرة الدولة على فرض سيادتها واحتكارها استخدام القوة.
وأكد الزيدي، في أكثر من مناسبة، أن انتهاء مبررات وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية يفرض الانتقال إلى مرحلة يكون فيها الجيش والقوات الأمنية وحدهما الجهتين المخولتين بحمل السلاح وإنفاذ القانون. غير أن ترجمة هذا المبدأ إلى واقع عملي تبقى أكثر تعقيدًا من إعلانه سياسيًا، لأن القضية لا تتعلق بجمع الأسلحة فحسب، بل بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة التي نشأت خلال ظروف استثنائية، وبناء آليات تضمن خضوع الجميع لسلطة القانون دون استثناء.
وتزداد حساسية هذا الملف مع تباين مواقف الفصائل المسلحة، فبينما أبدت بعض الجهات استعدادًا للتجاوب مع رؤية الحكومة ضمن ترتيبات معينة، تمسكت أطراف أخرى بمواقف رافضة أو متحفظة، الأمر الذي يجعل نجاح الحكومة رهنًا بقدرتها على الجمع بين الحزم القانوني والمرونة السياسية، بما يمنع انزلاق البلاد إلى توترات أمنية لا تخدم أحدًا.
إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في السلاح ذاته، بل في البيئة التي سمحت بتعدد مراكز القوة خارج مؤسسات الدولة. فاحتكار الدولة لقرار استخدام القوة لا يتحقق بإجراءات أمنية فقط، وإنما بإعادة بناء الثقة بالمؤسسات، وتعزيز كفاءة الأجهزة الأمنية، وإخضاع جميع التشكيلات المسلحة، أيًا كانت خلفياتها، لمرجعية دستورية وقانونية واحدة. ومن دون ذلك، سيبقى أي تقدم في هذا الملف عرضة للتراجع مع أول أزمة سياسية أو أمنية.
معركة الفساد: مواجهة شبكات النفوذ
إذا كان حصر السلاح يمثل الامتحان الأمني الأكبر للحكومة، فإن مكافحة الفساد تمثل الامتحان الأكثر تعقيدًا، لأن الدولة هنا لا تواجه أفرادًا متهمين بارتكاب مخالفات مالية فحسب، وإنما تواجه منظومات نفوذ تشكلت عبر سنوات طويلة، وتشابكت مصالحها داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والسياسة.
ويرى كثير من المراقبين أن أخطر ما يميز هذه المنظومات هو قدرتها على التكيف مع تغير الحكومات، إذ لم يعد الفساد مرتبطًا بأشخاص بعينهم بقدر ارتباطه بشبكات متغلغلة في مفاصل الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة، تدير منظومات من العقود الوهمية، والتلاعب بالمناقصات، واستغلال النفوذ، وتحويل المال العام إلى أداة لترسيخ الولاءات السياسية والاقتصادية.
ولا تقف قوة هذه الشبكات عند حدود نفوذها الإداري، بل تستمد جزءًا كبيرًا من قدرتها على البقاء من الغطاء السياسي الذي يحول دون محاسبتها. ويرى مراقبون أن بعض تلك الشبكات ترتبط أيضًا بقوى تمتلك نفوذًا أمنيًا أو مجموعات مسلحة، الأمر الذي يجعل ملاحقتها أكثر تعقيدًا، لأن المواجهة عندئذ لا تكون مع ملفات فساد منفردة، بل مع منظومات تمتلك أدوات سياسية واقتصادية وإعلامية، وأحيانًا أمنية، للدفاع عن مصالحها.
ومن هذا المنطلق، لا ينظر كثيرون إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في وزارة النفط باعتبارها نهاية المطاف، بل باعتبارها بداية اختبار أكبر. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ستواصل الحكومة توسيع نطاق التحقيقات كلما قادت الأدلة إلى مسؤولين في وزارات ومؤسسات أخرى، بغض النظر عن مواقعهم السياسية أو الحزبية، أم أن حدود التوازنات السياسية ستفرض سقفًا لا تستطيع تجاوزه؟
وهنا تحديدًا تكمن المعضلة التي تواجه حكومة الزيدي، فكلما اقتربت التحقيقات من مراكز النفوذ، ارتفعت كلفة المواجهة سياسيًا. إذ إن القوى التي قد تتضرر من فتح ملفات الفساد لا تمتلك حضورًا داخل مؤسسات الدولة فحسب، بل تمتلك أيضًا أدوات للتأثير في البرلمان والرأي العام، وقدرة على تعطيل التشريعات أو إرباك المشهد السياسي إذا شعرت بأن مصالحها باتت مهددة.
وفي المقابل، فإن التراجع عن المضي في هذه الملفات سيحمل كلفة لا تقل خطورة، لأنه قد يعزز الانطباع السائد لدى قطاعات واسعة من العراقيين بأن حملات مكافحة الفساد لا تزال محكومة بالسقوف السياسية ذاتها التي قيّدت الحكومات السابقة.
ولذلك، فإن نجاح الحكومة في هذا الملف لن يُقاس بعدد مذكرات القبض أو حجم المؤتمرات الصحافية، وإنما بقدرتها على ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، وتوفير بيئة قضائية ورقابية مستقلة، تتيح ملاحقة أي متهم استنادًا إلى الأدلة، بعيدًا عن الانتقائية أو الاعتبارات السياسية. وعندها فقط يمكن الحديث عن انتقال العراق من إدارة ملفات الفساد إلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على الحد منه بصورة مستدامة.
الاقتصاد: ساحة الاختبار الحقيقية
بالرغم من أن ملفي السلاح والفساد يستحوذان على معظم الاهتمام السياسي والإعلامي، فإن المعيار الذي سيحكم من خلاله العراقيون على نجاح الحكومة سيكون اقتصاديًا في المقام الأول. فالمواطن لا يقيس نجاح الإصلاح بعدد البيانات الحكومية أو الإجراءات القضائية، بقدر ما يقيسه بقدرتها على توفير فرصة عمل، وتحسن مستوى الخدمات، واستقرار الأسعار، وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن فصل الاقتصاد عن معركة مكافحة الفساد. فالعراق، بالرغم من إمكاناته النفطية الكبيرة، ما زال يعاني من هدر مالي واسع، واقتصاد موازٍ يستنزف موارد الدولة، فضلاً عن اعتماد المالية العامة بصورة شبه كاملة على عائدات النفط، الأمر الذي يجعلها عرضة لتقلبات الأسواق العالمية.
ولهذا، فإن أي تقدم حقيقي في مكافحة الفساد لن يقتصر أثره على ملاحقة المتورطين أو استرداد الأموال المنهوبة، بل سينعكس مباشرة على كفاءة الإنفاق العام، وزيادة قدرة الدولة على تمويل مشاريع البنية التحتية، وتحسين الخدمات، واستقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية. وفي المقابل، فإن الإخفاق في تفكيك شبكات الفساد سيبقي الاقتصاد رهينة للهدر والبيروقراطية وضعف الثقة، حتى وإن ارتفعت الإيرادات النفطية.
ومن هنا، فإن نجاح حكومة الزيدي لن يُقاس فقط بقدرتها على إدارة الإيرادات، بل بمدى نجاحها في تحويل الموارد العامة من أدوات لتغذية شبكات النفوذ إلى أدوات للتنمية وإعادة بناء الدولة، وهو التحول الذي ظل يشكل الحلقة المفقودة في تجارب الإصلاح السابقة.
التوازنات الإقليمية والدولية: مناورة بين المصالح المتعارضة
لا تتحرك حكومة علي الزيدي في فراغ سياسي، بل في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية، وهو ما يجعل قراراتها الداخلية موضع متابعة من عواصم إقليمية ودولية مؤثرة.
فمن جهة، تنظر الولايات المتحدة إلى نجاح الحكومة في فرض احتكار الدولة للسلاح وتعزيز سيادة القانون بوصفه شرطًا لتطوير الشراكة الأمنية والاقتصادية مع العراق، وتوسيع الاستثمارات، ولا سيما في قطاعي الطاقة والبنية التحتية. كما ترى أن استقرار العراق يمثل ركنًا أساسيًا في أمن المنطقة ومنع عودة التنظيمات الإرهابية.
وفي المقابل، تتابع إيران هذه التطورات من منظور مختلف، إذ ترتبط بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية عميقة مع العراق، كما تمتلك شبكة واسعة من المصالح والعلاقات مع قوى سياسية وفصائل مؤثرة. ومن ثم، فإن أي تغيير في معادلة السلاح أو النفوذ الداخلي لا يُنظر إليه بوصفه شأنًا عراقيًا داخليًا فحسب، بل باعتباره عاملاً مؤثرًا في توازنات المنطقة بأسرها.
ولا تقتصر هذه المعادلة على واشنطن وطهران وحدهما، فدول الخليج وتركيا تراقب، بدورها، مسار الإصلاحات العراقية، لما لها من انعكاسات مباشرة على ملفات الطاقة والاستثمار والتجارة والأمن الحدودي. وهذا يعني أن الحكومة مطالبة بالموازنة بين مصالح متقاطعة، بحيث تحافظ على علاقاتها الخارجية من دون أن تتحول تلك العلاقات إلى عامل يقيّد قرارها الوطني.
وفي هذا السياق، تبدو مهمة الزيدي أكثر تعقيدًا من مجرد إدارة علاقات خارجية متوازنة، فهو مطالب بإقناع شركاء العراق بأن تعزيز سلطة الدولة يخدم الاستقرار الإقليمي، وفي الوقت نفسه طمأنة القوى الداخلية بأن هذا المسار لا يستهدف إعادة تموضع العراق ضمن محور إقليمي على حساب آخر. ومن هنا، فإن نجاحه لن يُقاس بعدد الزيارات أو الاتفاقيات، بل بقدرته على تحويل التوازن في العلاقات الخارجية إلى عامل يدعم القرار الوطني، لا إلى مصدر ضغوط يحد من استقلاله.
وربما يكون التحدي الأصعب هو أن أي تقدم في ملف السلاح سيُفسَّر خارجيًا بوصفه مؤشرًا على اتجاه العراق الاستراتيجي، بينما تنظر إليه أطراف داخلية باعتباره اختبارًا لتوازنات القوة المحلية. ولهذا، فإن الحفاظ على هذا التوازن الدقيق سيكون أحد أبرز عوامل بقاء الحكومة واستمرارها.
الرأي العام: من مراقب إلى شريك في الحكم
إذا كانت الحكومات العراقية السابقة تقيس نجاحها بقدرتها على الحفاظ على توازناتها السياسية، فإن حكومة الزيدي تواجه واقعًا مختلفًا، فالرأي العام أصبح لاعبًا مؤثرًا في الحياة السياسية، ولم يعد مجرد متلقٍ للخطابات الحكومية.
فبعد سنوات من الاحتجاجات والأزمات الاقتصادية وتراجع الثقة بالمؤسسات، بات المواطن العراقي أكثر ميلاً إلى تقييم الحكومات من خلال النتائج الملموسة، لا الوعود أو البرامج المعلنة. ولذلك، فإن أي تقدم في ملفات الفساد أو حصر السلاح لن يكتسب قيمته الحقيقية إلا إذا انعكس على الأمن والخدمات وفرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.
وفي المقابل، فإن بطء الإنجاز أو الاكتفاء بإجراءات محدودة قد يؤدي إلى تآكل الرصيد الشعبي الذي انطلقت به الحكومة، حتى وإن نجحت في الحفاظ على توازناتها داخل الطبقة السياسية. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إقناع القوى السياسية بجدوى الإصلاح، بقدر ما يكمن في إقناع المواطن بأن الدولة بدأت تستعيد قدرتها على فرض القانون وإدارة مواردها بعدالة وكفاءة.
ومن هنا، فإن الرأي العام قد يتحول إلى أحد أهم مصادر القوة التي تستند إليها الحكومة إذا نجحت في تحقيق نتائج ملموسة، كما يمكن أن يصبح عامل ضغط مضاعف إذا اتسعت الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع العملي، وهو ما يجعل كسب ثقة المواطنين أحد أهم عناصر نجاح أي مشروع إصلاحي في المرحلة المقبلة.
حدود السلطة: بين الإرادة والقدرة
قبل الانتقال إلى استشراف سيناريوهات النجاح أو الفشل، يبرز سؤال جوهري: هل تكفي إرادة رئيس الوزراء لتحقيق ما يرفعه من شعارات؟
في الواقع، لا تتحرك السلطة التنفيذية في العراق بمعزل عن شبكة معقدة من التوازنات الدستورية والسياسية. فرئيس الوزراء، مهما بلغت قناعته بضرورة الإصلاح، يظل بحاجة إلى بيئة مؤسسية وقانونية وسياسية تسمح بتحويل قراراته إلى واقع عملي. فمكافحة الفساد لا تتحقق بقرارات تنفيذية وحدها، بل تتطلب قضاءً مستقلاً، وأجهزة رقابية فاعلة، وتعاونًا من مجلس النواب في إقرار التشريعات اللازمة، فضلاً عن غطاء سياسي يحمي مسار الإصلاح من محاولات التعطيل أو الاحتواء.
أما في ملف حصر السلاح، فإن التعقيد يتجاوز البعد الأمني إلى حسابات داخلية وإقليمية متشابكة، ما يجعل أي خطوة تحتاج إلى توازن دقيق بين فرض سلطة الدولة والمحافظة على الاستقرار. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الزيدي لا يتمثل في إعلان الأهداف، بل في بناء توافق سياسي ومؤسسي يمكّنه من تنفيذها من دون أن تتحول إلى سبب لأزمة سياسية جديدة.
وبهذا المعنى، فإن نجاح الحكومة لن يكون رهنًا بإرادة رئيسها وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل مشروع الإصلاح إلى مشروع دولة، تتقاسمه السلطات الدستورية والقوى السياسية، بدلاً من أن يبقى مشروعًا شخصيًا يرتبط ببقاء الحكومة أو رحيلها.
سيناريوهات النجاح والفشل
أولاً: سيناريو النجاح، عندما تتحول الإرادة إلى مؤسسات
لا تزال أمام حكومة علي الزيدي فرصة حقيقية لإحداث تحول في مسار الدولة العراقية، لكنها ليست فرصة مفتوحة، بل ترتبط بقدرتها على تحقيق إنجازات ملموسة خلال فترة زمنية معقولة.
ويبدأ هذا المسار بترسيخ مبدأ سيادة القانون، عبر المضي في حصر السلاح تدريجيًا وفق رؤية واضحة، بالتوازي مع توسيع حملة مكافحة الفساد، بحيث تستند إلى الأدلة والإجراءات القضائية، لا إلى الاعتبارات السياسية أو الإعلامية. كما يتطلب إصلاحًا إداريًا يعيد الاعتبار لمؤسسات الرقابة، ويغلق المنافذ التي سمحت باستمرار الهدر المالي واستغلال النفوذ.
وإذا نجحت الحكومة في تحقيق تقدم متوازن في هذه الملفات، فستكون قد وضعت الأساس لمرحلة مختلفة، تستعيد فيها الدولة جزءًا من هيبتها، ويشعر المواطن بأن القانون أصبح يُطبق بمعايير واحدة على الجميع، وهو ما قد يفتح الباب أمام استقرار سياسي واقتصادي أكثر رسوخًا.
ثانيًا: سيناريو الفشل، انتصار التسويات على الإصلاح
في المقابل، يبقى احتمال التعثر قائمًا، وربما يكون أكثر ترجيحًا إذا فرضت التوازنات السياسية سقوفها التقليدية على مسار الإصلاح.
فقد تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى الاكتفاء بإجراءات محدودة لا تمس مراكز النفوذ الحقيقية، أو الدخول في تسويات تؤجل المواجهة مع الملفات الأكثر حساسية، حفاظًا على تماسك الائتلاف الحاكم أو تجنبًا لتوترات أمنية وسياسية.
وعندئذ، لن يكون الفشل نتيجة غياب الرغبة في الإصلاح، بل نتيجة عجز الدولة عن تجاوز البنية التي أنتجت أزماتها خلال السنوات الماضية. وستتحول حملات مكافحة الفساد إلى إجراءات انتقائية، بينما يبقى السلاح خارج إطار الدولة جزءًا من معادلة القوة، لتعود الأزمات ذاتها في دورة سياسية جديدة، وإن اختلفت الشعارات والعناوين.
ولعل أخطر ما في هذا السيناريو أنه لا يعني سقوط الحكومة بالضرورة، بل قد يعني استمرارها من دون أن تتمكن من إحداث التحول الذي انتظره العراقيون، لتضاف إلى قائمة الحكومات التي نجحت في إدارة الأزمات، لكنها أخفقت في حلها.
الخاتمة
قد يكون من المبكر إصدار حكم نهائي على حكومة علي الزيدي، لكن من الواضح أن الأشهر المقبلة ستشكل الامتحان الأكثر حسمًا منذ تشكيلها. فالمعركة التي تخوضها ليست معركة ضد الفساد أو السلاح، كل على حدة، بل هي معركة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومراكز القوة التي نشأت خارج مؤسساتها، ولإثبات أن سلطة القانون يمكن أن تتقدم على منطق المحاصصة والنفوذ.
ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل هذه التجربة مفتوحًا: هل يمتلك الزيدي القدرة على تحويل الإرادة السياسية إلى مشروع إصلاح مؤسسي مستدام، أم أن تعقيدات الداخل وتشابكات الإقليم ستفرض عليه، كما فرضت على من سبقه، الاكتفاء بإدارة التوازنات بدلاً من تغييرها؟
الإجابة لن يحسمها خطاب سياسي، ولا قرار منفرد، بل ستكتبها الوقائع على الأرض. فالدول لا تُقاس بقدرتها على إعلان الإصلاح، وإنما بقدرتها على ممارسته، ولا تُبنى بالتسويات المؤقتة، بل بترسيخ مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وسيادة قانون تُطبق على الجميع دون استثناء. وعند هذه النقطة تحديدًا، سيُعرف ما إذا كانت حكومة علي الزيدي تمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الدولة العراقية، أم أنها ستكون حلقة أخرى في سلسلة محاولات الإصلاح التي اصطدمت بصلابة الواقع السياسي أكثر مما اصطدمت بميزان القوى.


