أعظم الطرائف التاريخية التي سوف تُسجَّل للنظام السياسي في عراق ما بعد 2003 أنَّ هناك وزيرين لخارجية البلاد يعانيان من الربو التاريخي في استنشاق حقائق البلاد.
إبراهيم الجعفري، الذي كان عميد الدبلوماسية الرسمية من عام 2014 إلى 2018، ترافع لصالح الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني ضد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور في محكمة التاريخ. قال ما مفاده: "نبوخذ نصر الثاني، لا أبو جعفر المنصور، من بنى بغداد".
الثاني، فؤاد حسين، الذي ما زال يمسك حقيبة الخارجية منذ عام 2020، حيث سيطرت عليه حماسته الحزبية، في لقاء متلفز على إحدى الفضائيات العراقية، معلّقًا: "نحن لسنا بدوًا"، عندما سُئل عن إمكانية ردود فعل انتقامية من الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي ينتمي إليه، تجاه الفصائل الإيرانية، والتي باتت تمتلك حضورًا برلمانيًا، بعد الانتخابات الأخيرة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025.
الكونت الفرنسي دي مارنشيز، رحمه الله، الذي شغل أيضًا منصب رئيس جهاز المخابرات الفرنسية الخارجية، قال في كتابه الحرب العالمية الرابعة: "نحن قبيلة رومانية". جاء ذلك وهو يعرض نصائحه في الكتاب المومأ إليه على الولايات المتحدة والدول الأوروبية، بضرورة إيجاد ساحة لهذه العالمية الرابعة، بعيدًا عن جغرافيا الأطلسي والقارة الأوروبية.
دبلوماسية العصور الوسطى
عندما احتل العثمانيون بغداد عام 1534، بقيادة السلطان العثماني سليمان القانوني، حاولت النخب العراقية استمالة السلطان وتذكيره بماضي البلاد العريق، عسى أن يعيدها كحاضرة للدنيا. لم يُصغِ القانوني، لتعود بغداد بعدها إلى النوم في سرير الهامش التاريخي.
بعض الأحزاب داخل الإطار التنسيقي وحلفائها من خارجه قررت، بعد سبعة قرون تقريبًا، عمل دوبلاج تاريخي لما قامت به نخب العراق مع السلطان العثماني، لكن هذه المرة عام 2026، مع المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي.
تيار الحكمة، ومنظمة بدر، وحركة بابليون، والجبهة التركمانية العراقية، والحزب الديمقراطي الكردستاني، وحزب تقدم، فكّروا باختيار وفد منهم لزيارة طهران. والحجة: "إقناع طهران بالسماح لناقلات نفط الدول التي ترغب بشراء النفط العراقي بعبور مضيق هرمز".
الزيارة، إن حدثت أم لا، فإن الرسالة وصلت!
هذه الأحزاب التي ذكرناها، إضافة إلى ائتلاف الإعمار والتنمية وعصائب أهل الحق، تريد أن تقول لطهران: "دربنا القادم أميركي، لكن أقدامنا تظل إيرانية". ردة الفعل هذه ضرورية، بعد الاستعراض الكبير الذي قامت به الفصائل الإيرانية وحليف الضرورة معها نوري المالكي، بتشييع للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي، قبل زيارة علي الزيدي، رئيس حكومة العراق الحالي، إلى واشنطن في 13 تموز (يوليو) الجاري.
هذا الفساد السياسي في سياسات العراق الخارجية يجب أن يتوقف، إذا أراد الرئيس الزيدي ضخ الأوكسجين إلى رئة سياسة البلاد الخارجية. عليه ألا يثق بأي زيارات سياسية تقوم بها قوى حزبية عراقية، سواء إلى طهران أو أنقرة أو إلى أي دولة أخرى.
وهذه الزيارات، حتى ذات الطابع الشخصي منها، يجب أن تكون لها محاضر رسمية مسجلة، بل ويجب إدراجها في سجلات عامة تكون متاحة للرأي العام العراقي، وبحسب ضوابط الأمن القومي، لا المزاج البيروقراطي للحكومات العراقية.
قنوات التواصل الدبلوماسية، وتلك المرتبطة بالاقتصاد والأمن والسياسة والمعادلات الإقليمية والدولية، يجب ألا تشبه كوخًا طينيًا على غرار الكثير من أبنية المدارس العراقية. عمومًا، سياسة البلاد الخارجية ستبقى عرجاء إن بقيت تُسلَق بهذه الطريقة، وستبقى عُرضة لأمطار طهران وعواصف واشنطن.
سياساتنا ذات العلاقة بالإقليم والعالم لم تستطع إقناع إيران بضرورة تعاطيها مع الولايات المتحدة، والعكس صحيح أيضًا، ولم تنجح مع تركيا ولا مع دول الخليج العربي. هناك نقص حاد في مخيلة رسم سياسة استراتيجية للدولة العراقية.
وزارة الخارجية العراقية ليست السبب الوحيد، وإنما المؤسسات الدستورية أيضًا، بدءًا بمجلس النواب العراقي ومرورًا بالحكومة. لهذا، لا ثمار استراتيجية أكلتها الدولة العراقية من سياساتها الخارجية.
الحجة النفطية لتلك الزيارة/الرسالة، بسبب أزمة مضيق هرمز، يجب أن يكون شرف إيجاد الحل لها رهنًا بالحكومة العراقية حصرًا. العراق والإقليم والعالم يمر بأوضاع صعبة، والأحزاب التي تريد القيام بالزيارة عليها فهم التالي: "زيارتكم النفطية مركب قلق في معادلة دولية معقدة، قد تكون صالحة هنا، لكن دفع أثمانها سيكون هناك، عند "الكاشير" الدولي".
تسريب نيويورك تايمز
السيد توم برّاك، مبعوث الرئيس الأميركي الخاص إلى العراق، إضافة إلى مناصبه الدبلوماسية الأخرى، يُنظر إليه عراقيًا كلورنس الشام الذي يطبّق نظرية الأعمدة الثلاثة: العراق، وسوريا، وتركيا.
النسخة الأقرب للسفير برّاك ليست نسخته البريطانية لورنس العرب، وإنما زميله ريتشارد هيلمز، السفير الأميركي في إيران للأعوام من 1973 إلى 1976، بعد أن كان، قبل ذلك، مديرًا لوكالة المخابرات المركزية الأميركية لمدة ستة أعوام. امتلك هيلمز حينها صلاحيات سفير فوق العادة في تأثيره على السياسات الإيرانية تجاه العراق.
هذه الخطوط العريضة لرسم شخصية السفير بطريقة أكثر عملية تأتي لتأطير تسريبات صحيفة نيويورك تايمز الأميركية يوم 23 تموز (يوليو) 2026، بخصوص حمل الرئيس الزيدي رسالة من واشنطن، موجهة إلى النظام الإيراني، لوقف العمليات العسكرية، واستبدال وساطة إسلام آباد بالعاصمة بغداد.
رئيس الحكومة نفى صحة تلك التسريبات. ودخل السفير برّاك على الخط ليحتوي الأضرار المحتملة على رئيس الوزراء العراقي، بالرغم من أن مسألة نقل الزيدي للرسائل "طبيعية"، بحسب تعليق عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني.
ردود فعل الثلاثي الزيدي، وبرّاك، وعراقجي، جزء من المتغيرات التي تحصل بطبيعة العلاقات بين العراق والولايات المتحدة، ورغبة بغداد في بناء جسور تواصل بين المختلفين السياسيين. البلاد، شئنا أم أبينا، تعيش عزلة إقليمية ودولية، وهي تحتاج إلى مثل هذه الاختراقات الدبلوماسية.
بغداد مارست دبلوماسية جيدة في الفترة الماضية، مهما اختلفنا على درجة التقييم. فعلت ذلك بين طهران والرياض، وبين الأخيرة وأنقرة في مرحلة ما، وكذلك التحالف العراقي–الأردني–المصري. هذه البحبوحة الدبلوماسية تحققت بفضل مصطفى الكاظمي، رئيس الحكومة الأسبق.
جميع النوتات الدبلوماسية التي يستطيع العراق عزفها ضرورية له، لأنه حاليًا أكثر المتضررين مما يحصل من أزمات في المنطقة، والانعكاس الأكبر لما يجري يؤثر على اقتصاده بشكل أساسي.
قلنا سابقًا إن العراق كان يجب أن يكون بديلاً من إسلام آباد في المفاوضات بين واشنطن وطهران. إذن، لا ضير من خوض العراق حراكًا دبلوماسيًا يعود عليه بآثار إيجابية، لكن العوامل التي تدفعه إلى أن يكون مؤهلاً لهذا الشيء غير موجودة حاليًا.
طهران لا تريد لحكومة الرئيس الزيدي أن تحصل على مكاسب سياسية من أي انفراج دبلوماسي بينها وبين واشنطن. ذلك سيعني نجاح الجهود المشتركة للولايات المتحدة وللرئيس الزيدي على وجه الخصوص، في ضبط الإيقاع السياسي داخل البلاد.
إيران غير مستعدة كذلك لتعكير العلاقات مع إسلام آباد، لأن ذلك سيعني فقدانها الورقة الباكستانية، وبالتالي حرق جسورها مع أهم الدول في الإقليم العربي والشرق الأوسط الموسع.
إن رمزية اختيار بغداد وسيطًا في اللحظة الراهنة، باعتبارها ساحة نفوذ مشتركة لواشنطن وطهران، لا تستأهل ثمنًا كهذا في الوقت الحالي. ولا ننسى كذلك دور الفصائل المسلحة الموالية لإيران في تعقيد المشهد.
تلك الجهات تستهدف دول الخليج العربي، ومتهمة كذلك بالمشاركة في اعتداءات ضد سوريا، وحتى الأردن وتركيا، والولايات المتحدة تشعر بالقلق من أجندات سلاحها وولائها الشرقي.
إيران تضغط، بالطبع، باتجاه تثبيت أركان النظام السياسي في العراق وتقويته. تعتقد أنه النظام السياسي الوحيد الحليف لها في المنطقة، ولو في مسارات محددة. العراق، بحسب ما تقدم، يجب أن يتقن التوازن الفاعل بين الولايات المتحدة وإيران، دون أن ينسى بقية الدول الأخرى.
المشهد يتضح أكثر عند ربطه بالصراع بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، لندرك أن هناك استقطابًا حادًا في النظام العالمي. وهذا يستدعي دراسة الأوضاع الجيوسياسية بروية وتدبر، سواء في منطقتنا أو العالم.
معظم نخب العراق السياسية تخشى حاليًا سيطرة "العقلية الخلدونية" على وعي تغيير الأداء السياسي للنظام الحالي. تتصور أن العصبية العربية هي لب المشكلة، لكنها لا تجد حرجًا في إقطاعاتها الطائفية والعرقية، المدعومة بالمال "الحلال" ومحو مؤسسات الدولة.
النتيجة: العراق مطالب بالذهاب إلى اتجاهات جيوسياسية أكثر ضبطًا، تحقق منافع للعراق. وهذا لن يحدث إلا بقرار وطني، هو غائب الآن. ذلك وحده سيوفر الغطاء النيابي والسياسي للحكومة، لانتهاج سياسات معنية بالمصالح العليا، لا بالتوازنات الدنيا، الممثلة بتوزيع الثروات والشعب على حظائر طائفية وعرقية.
مكافحة الفساد اتحاديًا وكردستانيًا
قبل أن ننتقل للحديث عن ذلك، علينا طرح هذا السؤال: هل ستستمر حملة مكافحة الفساد، أم أن التحديات ستؤدي إلى وفاتها؟
وجهة نظرنا أن هناك تحديات كبيرة ستواجه الحملة، وكذلك في تشخيص الفاسدين، سواء كانوا في المستويات الدنيا أو العليا في هيكلة الدولة والنظام السياسي. ولهذا، لاحظنا تراجعًا ضئيلاً في جهود مكافحة الفساد، مقارنة مع المرحلة الأولى التي انطلقت في 28 حزيران (يونيو) الماضي، وهذا يُشعرنا بالقلق.
أملنا ألا تكون هناك انتقائية في التعاطي مع ملف مكافحة الفساد. عمومًا، الوصول إلى نتائج مرضية سيكون صعبًا، لكن لا خيار إلا الاستمرار.
علاقة بغداد بجهود مكافحة الفساد في إقليم كردستان العراق مرتبطة بالعلاقة الدستورية بين الإقليم والسلطة الاتحادية. والدستور العراقي أعطى الصلاحية للسلطات القضائية في إقليم كردستان، بحسب المادتين 117 و121.
جميع المواد الواردة في الدستور تعطي الصلاحيات للإقليم، إلا ما ورد في الصلاحيات الحصرية المرتبطة بالمادة 110. والسلطة القضائية ليست ضمن تلك الصلاحيات الحصرية، بالرغم من أن الفساد الأكبر في العراق مرتبط بقطاع الطاقة، والنفط والغاز ملك للشعب العراقي بحسب الدستور، أليس كذلك؟
هذا النقاش لا يعني ألا يكون هناك تعاون بين السلطات القضائية في المركز والإقليم، في تشخيص الفاسدين وتقديمهم للعدالة. كذلك، نشير إلى انطلاق دعوات في الإقليم تدعو إلى انطلاق حملة تكافح الفساد، كما حدث في بغداد.
قيادات عليا في حكومة الإقليم دعت إلى ذلك، منهم رئيس الحكومة، ونائب رئيس الحكومة، ووزراء، والجهاز القضائي في الإقليم. لكننا، وبصراحة، نستبعد أي دور لبغداد في مكافحة الفساد داخل الإقليم، لأنه غير جائز دستوريًا وشبه مستحيل واقعيًا.
بعض الفاسدين في الدولة لديهم القدرة على إجهاض أي محاولة لمكافحة الفساد. لكن تبقى النتائج مرهونة بمدى إصرار القضاء والحكومة على ولادة آلية مختلفة، تحافظ على المال العراقي من النهب العام.
حصر السلاح وقرار السلم والحرب
نزع سلاح الفصائل الموالية لإيران في العراق، الذي يوصف عادة بـ"حصر السلاح" بيد الدولة، يعني، وفق خلاصة استقيتها من أحزاب عراقية، أن الدولة هي من سيكون بيدها قرار السلم والحرب، والقدرة على تنفيذ أوامر السلطة القضائية. أيضًا، حفظ الأمن الداخلي، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وأمن الحدود. كل هذا يجب أن يكون تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة، ومن مسؤوليات وزارات الداخلية والدفاع والأمن الوطني.
ترشيق عدد الهياكل الأمنية ضروري، لأن تعددها يؤدي إلى تضارب في أدائها، ويؤثر على جهود مسك الأرض والنشاط الاستخباري. هذا هو أساس وجوهر ما يوصف بحصر السلاح بيد الدولة.
بعض القوى داخل الإطار التنسيقي سوّقت الموضوع بأنه استهداف للمكون الشيعي والحشد الشعبي، وبأنه مناوئ لإيران. بالطبع، جزء منه مرتبط بإيران والفصائل المسلحة الموالية لها في العراق. لكن هذا التسويق الحزبي حجّم وقزّم ما تعنيه عملية حصر السلاح.
السلاح بغير يد الدولة يجب أن يُضبط. حتى قوات البيشمركة التي لديها غطاء دستوري يجب أن يكون لديها تعاون مع القوات الاتحادية، وفق آليات متفق عليها في منظومة أمن ودفاع مشتركة.
الدستور العراقي واضح. هو لا يسمح لأي جهة بالانخراط في معادلات مسلحة خارج حدود البلاد. الدولة لديها بدائل عن تلك المعادلات في تفاعلها مع الإقليم والعالم، لكنها لا تستطيع اللجوء إليها حاليًا، من دون إطفاء محركات الصراع في المنطقة.
بقاء الحال على ما هو عليه يعني خسارة الجميع، وأكبر الخاسرين ما تُعرف بـ"الحاكمية الشيعية". لذا، فإن الجميع مطالب بحسم خياره: إما أن يكون العراق دولة وازنة، وإما مسيّرة لأجندة خارجية تنحر مستقبله على الأرض.


