: آخر تحديث

حين ينفد الصبر وتبدأ الدولة في حماية سيادتها

3
3
3

لم تكن المملكة العربية السعودية يومًا دولة تبحث عن التصعيد، ولا كانت في تاريخها من دعاة إشعال الحروب أو تصدير الأزمات، بل عُرفت بسياسة تقوم على الحكمة، وضبط النفس، وإعطاء الفرص للحلول السياسية والدبلوماسية، لكن الحكمة لا تعني التهاون، والصبر لا يعني القبول باستمرار الاعتداءات.

لقد سبقت المملكة الأحداث، ونبّهت مرارًا السلطات العراقية إلى خطورة استمرار الميليشيات المسلحة الموالية لإيران في استخدام الأراضي العراقية منصةً لإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ باتجاه أراضيها ومنشآتها الحيوية، وكانت الرسائل واضحة، كما كانت المطالب واضحة أيضًا: اضبطوا هذه المجموعات، واحموا سيادة العراق، ولا تسمحوا بتحويل أرضه إلى منطلق لتهديد أمن دول الجوار.

لكن، في كل مرة، كان المشهد يتكرر: اعتداء جديد، ثم إعلان عن "فتح تحقيق"، وكأن البيانات أصبحت بديلاً من الإجراءات، والتصريحات حلّت محل الحسم.

إن استهداف المنشآت النفطية في المنطقة الشرقية ليس مجرد حادث أمني عابر، بل اعتداء على الاقتصاد العالمي، وعلى أمن الطاقة، وعلى دولة عضو في الأمم المتحدة تمارس حقها المشروع في حماية أرضها ومقدراتها.

ولذلك، جاء بيان وزارة الخارجية السعودية واضحًا وحازمًا، إذ أدان بأشد العبارات الاعتداءات التي نفذتها ميليشيات تابعة لإيران انطلقت من الأراضي العراقية، مؤكدًا عزم المملكة على حفظ أمنها وسيادتها، وردع المعتدين، واحتفاظها بحقها المشروع في الرد على مصادر العدوان، مع مطالبة الحكومة العراقية باتخاذ كل ما يلزم لمنع استخدام أراضيها منطلقًا لهذه الاعتداءات.

ولم يقتصر الأمر على الموقف السياسي، بل جاء التحرك العسكري منسجمًا مع حق الدفاع الشرعي عن النفس المنصوص عليه في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، حيث نُفذت ضربات دقيقة ضد مواقع للميليشيات بعد التنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، في رسالة تؤكد أن حماية أمن المملكة ليست محل مساومة، وأن الاعتداءات لن تمر دون رد.

لقد اختارت تلك الميليشيات طريق التصعيد غير المسؤول، متجاهلة روابط الجوار، ومتناسية أواصر الأخوة الإسلامية، ومستبدلة منطق الدولة بمنطق السلاح الخارج عن القانون.

ولعل الرسالة الأهم اليوم ليست موجهة إلى تلك المجموعات فحسب، بل إلى كل من يظن أن المملكة يمكن أن تستمر في سياسة ضبط النفس إلى ما لا نهاية.

فالصبر خُلُق، لكنه ليس ضعفًا، والحلم قوة، لكنه لا يعني التفريط بالسيادة.

والمملكة، بقيادتها الحكيمة وقواتها المسلحة الباسلة، أثبتت أنها تمد يد السلام لمن أراده، لكنها، في الوقت ذاته، تمتلك القدرة والإرادة لحماية أرضها وشعبها ومنشآتها بكل حزم وقوة، ولن تتردد في ممارسة حقها المشروع متى اقتضت الضرورة.

لقد آن الأوان لأن تتحمل الحكومة العراقية مسؤولياتها كاملة، وأن تثبت بالفعل، لا بالبيانات، أن أراضيها ليست ساحة مفتوحة للميليشيات، ولا منصة لتصفية حسابات إقليمية تهدد أمن المنطقة بأسرها.

ختامًا، ستبقى المملكة العربية السعودية، بإذن الله، حصنًا منيعًا، تجمع بين الحكمة والقوة، وبين السلام والقدرة على ردع المعتدي. ونسأل الله تعالى أن يحفظ المملكة العربية السعودية، وقيادتها، وشعبها، وقواتها المسلحة، وأن يحفظ العراق الشقيق وسائر دول الخليج والدول العربية والإسلامية من الفتن والإرهاب، وأن يرد كيد المعتدين في نحورهم، ويجعل الأمن والاستقرار نعمة دائمة على أوطاننا جميعًا.

اللهم آمين، يا رب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.