: آخر تحديث

حفلة طلاق

1
1
1

هل أصبح الزواج مجرد صورة عابرة بجانب كوب قهوة، أو توثيقاً لسفرة أوروبية، وحقيبة فاخرة مغلفة بالورود تُعرض في التيك توك أو السناب شات؟ هل تحوّل هذا الارتباط، في وعي الجيل الجديد، من عقد شراكة إنسانية صلبة إلى فرصة لـ "الشو" الاجتماعي، أو ربما نافذة للتملص من المسؤولية ومواجهة متطلبات الحياة؟

في عالمٍ فقد صلابته القديمة، وصارت الحياة فيه تتخذ هيئة "السائل" الذي لا يستقرّ في قاربٍ واحد، بدأ مفهوم الزواج هو الآخر يتعرّض لاهتزازاتٍ تمسّ بنيته العميقة. لم يعد ذلك الكيان القائم على ديمومة الاستقرار، بل أضحى جزءًا من سيولة كونية تُعيد تشكيل معنى الارتباط الإنساني وفق مزاج اللحظة ومتطلبات الذات المتحوّلة.

أول التحوّلات يظهر في انتقال الفتاة من وصايا الأم إلى وصايا الشاشة. كانت الأمّ تُورث ابنتها حكمة الصبر والعمق، أما اليوم فتذهب كثير من الفتيات إلى الزواج محمّلاتٍ بخطاباتٍ رقمية تضع الرفاهية المادية كمعيار وحيد للسعادة الزوجية، وكأن الزواج امتدادٌ للعرض اليومي على المنصّات، لا رحلة إنسانية تحتمل مشاق الواقع.

وفي المقابل، لا يبدو الرجل المعاصر بريئاً من هذه السيولة؛ فهو ضحيتها وخالقها في آن واحد. يدخل الشاب اليوم مؤسسة الزواج بعقلية "المستهلك"؛ يبحث عن امرأة بمواصفات "فلاتر" منصات التواصل، وحين يصطدم بالواقع، يتخلى سريعاً عن مسؤولية القوامة والرعاية المادية والمعنوية، مدفوعاً بنزعة فردانية حادة. يرى في الزواج قيداً يهدد حريته الشخصية، ومساحته الخاصة، وسفره، وعلاقاته، فيحدث التصادم الوجودي: ليس بين شخصين، بل بين وهمين لا ينتميان إلى إيقاع الواقع. 

هذا التشوّه في البداية قاد بالضرورة إلى تشوّه في النهاية، وتجلى في أحدث ظواهر العصر: "حفلات الطلاق". في الواقع، هذه الحفلات ليست مجرد بهجة عابرة، بل هي في العمق آلية دفاعية نفسية تُمارس لإنكار الهزيمة وفشل التجربة. هي محاولة واعية أو غير واعية لـ"تخدير الألم" عبر المبالغة في إظهار الفرح، وحفظ ماء الوجه أمام مجتمع افتراضي لا يرحم. إنها إعلان انتصار وهمي؛ حيث يُستبدل انكسار الروح بقطع الكيك والزينة، لتتحول مأساة الانفصال إلى مشهد استعراضي؛ امتداداً لثقافة "الشو" التي انطلق منها الزواج أصلاً. فالذي بدأ كـ "لقطة" على المنصة، لا بد أن ينتهي كـ "لقطة" أيضاً.

لكن، وخلف أنوار هذه الحفلات الصاخبة وحين تُطفأ الكاميرات، تبرز التكلفة الحقيقية لهذه السيولة، وتحديداً في البُعد النفسي والوجودي لأبناء "البيوت السائلة". هؤلاء الأطفال يولدون في بيئات بلا جذور، ينشأون وفي وعيهم أن الارتباط الإنساني هو مشروع مؤقت قابل للإلغاء والتعديل عند أول اختبار. يعيش الطفل تمزقاً هوياتياً صامتاً، ويفتقد لمفهوم "الأمان المطلق" الذي من المفترض أن تمنحه العائلة، ليخرج إلى المجتمع جيل يحمل ندوباً نفسية خفية، ويكرر لاحقاً نفس دائرة العلاقات الهشة.

في نهاية التجربة، يمضي كلٌّ من الشريكين بعد الحفلة في طريقه، يمارس حياةً تبدو في ظاهرها مستقلة ومتحررة، لكنها في جوهرها حريةٌ مزيفة ومفرغة من المعنى. فالإنسان كائن علاقاتي بطبعه، وتأتي لحظات وجودية حاسمة يحتاج فيها إلى السند الحقيقي، إلى شريك يتقاسم معه وعثاء الطريق حين تهدّه الحياة وتتوارى عنه الأضواء.

وحين يبحث المرء في فضاء السيولة عن هذا الاتكاء، قد لا يجد إلا الخواء الروحي، والفراغ النفسي الذي يصنعه العيش بلا التزام. عندها يدرك الإنسان المعاصر، ربما بعد فوات الأوان، أن الحياة وتفاصيلها أعمق بكثير من أن تُختزل في مشهد رقمي عابر، وأن متانة الأرواح لا تُبنى فوق رمال الشاشات المتحركة، بل في طين الواقع المشترك بصبره وعمقه وتضحياته.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف