: آخر تحديث

ما بعد معركة الانغلاق والانفتاح

3
3
3

عاش المجتمع مرحلة امتد فيها أثر الغلو والتشدد الديني إلى تفاصيل الحياة اليومية، وكان من الطبيعي أن تولّد هيمنته الممتدة لعقود، مع عوامل أخرى، ردة فعل قوية لدى بعض التيارات، التي اندفعت أحيانًا إلى الاتجاه المقابل بالحدة نفسها. ومع الإصلاحات الداخلية وإقرار أنظمة رفعت سقف الحريات الفردية نسبيًا، بدأت حدة الاستقطاب تتراجع، ومالت الأطراف المختلفة إلى الهدوء، مدفوعة بتحولات سياسية أعادت رسم حدود النقاش العام.

لكن السنوات التالية كشفت تناقضًا لافتًا، فبعض الأصوات التي بدت في ذروة التحولات أكثر انفتاحًا لم تكن قد غادرت بنيتها المحافظة فعلًا، وإنما انسجمت مؤقتًا مع المزاج الجديد وما وفره من حضور ووجاهة. وحين استقرت التحولات وخفت بريق اللحظة، عاد كثيرون إلى مواقف شديدة المحافظة، وكأن الانفتاح لدى بعضهم لم يكن تحولًا فكريًا بقدر ما كان "برستيجًا" مرحليًا.

تكشف هذه التجربة أن التحول المعلن لا يعني بالضرورة تحولًا في القناعات. فالقناعات لا تُختبر في لحظة التحول، بل بعد أن تهدأ الحماسة ويغيب بريقها. عندها فقط يتبين من جعل احترام حرية الآخر مبدأً، ومن لم يكن انفتاحه سوى ركوب للموجة. ذلك أن تغير المجال العام لا يعني بالضرورة تغير الوعي بالسرعة نفسها. فقد يتراجع المنع، وتتسع الخيارات، وتصبح ممارسات كانت موضع صراع جزءًا مألوفًا من الحياة، بينما تظل بعض التصورات القديمة كامنة في النفوس. ولهذا، يصعب قياس التحول الفكري من خلال المواقف التي تظهر في أزمنة التغير السريع، إذ قد يكون بعضها تكيفًا مع واقع جديد أكثر من كونه مراجعة حقيقية للأفكار والمعتقدات.

وثمة وجه آخر لهذه التحولات حين تصبح المواقف الفكرية نفسها وسيلة لاكتساب القبول الاجتماعي. ففي زمن سابق، كان إظهار التشدد يمنح صاحبه مكانة وسلطة أخلاقية، ثم أصبح إظهار الانفتاح لدى بعض الفئات علامة على الحداثة والتميز. وفي الحالتين، قد لا يكون الفرد قد اختار موقفه باستقلال كامل، وإنما انتقل من مسايرة جماعة إلى مسايرة أخرى. تتغير اللغة والرموز، بينما تبقى الآلية القديمة حاضرة، البحث عن الاعتراف من خلال الانتماء إلى الموقف الأكثر نفوذًا أو رواجًا.

لهذا، تبدو بعض مظاهر "العودة إلى المحافظة" أقرب إلى انكشاف قناعات لم تتغير أصلًا منها إلى تحول فكري جديد. فمن لم يؤسس موقفه من الحرية على الإقرار بحق الفرد في تقرير شؤونه الخاصة، يسهل أن يتراجع عنها حين تفقد جاذبيتها الاجتماعية أو تتغير الظروف التي جعلت الدفاع عنها مرغوبًا. وما المواقف المتعلقة بالمرأة إلا مثال واضح على ذلك، ضمن أمثلة أخرى تكشف المسافة بين تبني خطاب الانفتاح وبين الإيمان الفعلي بحرية الاختيار.

فالحرية لا تقتضي أن نستحسن خيارات الآخرين، ولا أن نتخلى عن قيمنا الشخصية كي نعترف بحقهم في الاختلاف. جوهرها أن ندرك الحدود الفاصلة بين حقنا في العيش وفق قناعاتنا، ورغبتنا في إلزام الآخرين بها. لذلك، يستطيع الإنسان أن يكون محافظًا في حياته وقيمه من دون أن يرى في اختلاف الآخرين تهديدًا له، كما يستطيع أن يكون منفتحًا من دون أن يجعل من انفتاحه معيارًا للتفوق الأخلاقي. وحين تبلغ هذه الفكرة نضجها، يصبح الاختيار شأنًا طبيعيًا لا يحتاج صاحبه إلى تبرير، ولا يمنحه، في الوقت نفسه، امتيازًا أخلاقيًا على غيره. فالمجتمع الأكثر حرية ليس هو المجتمع الذي يعيش أفراده بالطريقة نفسها، بل المجتمع الذي يتسع لاختلاف أنماط العيش والقيم، من دون أن يتحول ذلك إلى صراع على فرض نموذج واحد. فالوصاية لا تصنع القناعة، وإنما تشجع على النفاق الاجتماعي.

وقد يكون الاختبار الأعمق لهذه التحولات هو قدرتنا على تجاوز فكرة الانتصار في المعركة الاجتماعية إلى التعايش بعد انتهائها. فالتحولات الكبرى لا تخلو من نكوص عند بعضهم أو اندفاع عند آخرين، لكنها تبلغ نضجها حين يفقد هذا الصراع ضرورته أصلًا. فالمجتمعات التي تتسع للاختلاف وتتعامل معه بوصفه أمرًا طبيعيًا هي الأقدر على إطلاق طاقات أفرادها نحو الإبداع، لأن الإبداع يزدهر في بيئة تتسع لتعدد الأفكار وأنماط العيش، لا في بيئة تفرض نموذجًا واحدًا على الجميع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.