في عوالم النقد الأدبي، يُطلب من الناقد المنصف والموضوعي البدء بالتحدث عن الإيجابيات، وإيراد الجوانب المميزة في المنتَج الإبداعي، وذكر محاسن العمل الموضوع على المشرحة التقييمية، وعدم إغفال الجوانب المضيئة أو إهمال علامات الريادة في أي جانبٍ فيه إن وجدت، ومن ثم يبدأ المنخرط في العملية النقدية بذكر الهنات، وإظهار العثرات، والإشارة إلى المثالب، ليس من أجل الطعن بصاحبها أو الحط من قيمة ما قدَّمه، إنما لمساعدته بطريقة غير مباشرة على الاستفادة من تلك القراءة، لكي يتجنب المبدع تلك المعايب في الأعمال اللاحقة.
وبتصورنا أن هذا المعيار ينفع أيضًا في مجالات النقد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، وحتى عندما يتعلق الأمر بتناول إحدى الشخصيات الاعتبارية في أي مجتمعٍ كان، لأن الشخصية التي تعمل في الشأن العام، والتي غدا لها حضور وجمهور وأتباع وحاشية، ليس من المعقول أن تكون قد صيغت في الأصل من مادة المقابح، وبناءً عليه نتفرغ فقط لتعداد مساوئها والتلويح بها.
لذا، فالتخمين أو القول إن تلك الشخصية خرجت من ظلمة الرحم إلى الدنيا وهي خالية المحاسن هو تصور غير محمود، لأن الحقيقة تقول إنه حتى في دنيا الطغاة المشهورين عبر التاريخ نلمس بعض الجوانب الإيجابية في شخصياتهم، سواء ما تعلَّق بطبيعتهم، أم بالمواقف الصادرة عنهم، أم بمجالات الإبداع لديهم. وفي الجانب الأخير، يمكن أن نذكّر القارئ، إن كان ناسيًا، بأن زعيم النازية الألمانية أدولف هتلر كان يمارس الرسم ومتذوقًا للموسيقى، ويوليوس قيصر كان يقرض الشعر، وموسوليني كان كاتبًا، وجوزيف ستالين كان يمارس الكتابة والشعر، وفرانكو كان رسامًا، وماو تسي تونغ كان صاحب كتب فلسفية. وفي الشرق الأوسط، فلكل من صدام حسين ومعمر القذافي كتب أدبية، والأخير لديه كتاب في السياسة والاقتصاد والاجتماع، سُمي بالكتاب الأخضر، وهو بمثابة نظرية حيال التجارب الإنسانية، مثل الاشتراكية والحرية والديمقراطية.
وبما أننا بصدد الحديث عن الوسائل الإعلامية التفاعلية العامة التي باتت في متناول أي شخص في هذا العالم، فطالما أن معظمنا بات يعرف الإيجابيات المتعلقة باستخدامات وسائل التواصل الاجتماعي، وبمقدوره تعداد الحسنات، وباعتبار أن الزمن يعدو بسرعة كبيرة، والوقت المتاح أمام المرء لمجاراة تلك السرعة قصير للغاية، لذا، فتقديرًا للوقت، سنترك فراغات الجوانب الإيجابية للقارئ لكي يقوم هو بملئها على راحته، وننتقل نحن إلى خانة السلبيات.
حقيقةً، لا يُنكر أن بعض الفلاسفة مدحوا المشاعية البدائية كأول نظام اجتماعي واقتصادي في تاريخ البشرية من حيث المساواة بين الأوادم، بما أن الناس كانوا وقتها بعيدين عن ثقافة الاستحواذ والتفرد والاستغلال والملكية الخاصة، فيما كان التعاون الإنساني في أبهى حلته آنذاك، إلا أن المرء بات يضيق ذرعًا بتبعات بعض المشاعيات المعاصرة، منها مشاعية انتشار السلاح في الدول الفاسدة التي تفتقر إلى القضاء والعدالة وتعاني من غياب القوانين الحضارية. وفيما يتعلق بالمشاعيات الراهنة، يبقى أن أخطر ما في وسائل التواصل الاجتماعي ليس مشاعية السلاح التقني ووجوده في يد أي شخص، كبير أو صغير، خلوق أو قليل الأدب، عاقل أو مجنون، صادق أو كذاب، محتال أو مخلص، إنما أخطر ما في تلك الوسائل المشتركة هو أنها تخاطب غرائز مستخدميها وتناغي هوى المتصفحين.
ولأن الإنسان عادةً ما يميل إلى ما يدغدغ مشاعره وينسجم مع ما يوافق تصوراته ويغذي عواطفه، لذا تلاحظه يتدفق بسهولة على الصعيد الذي يراه منسابًا أمامه، ومن دون تدقيق قد يلتحق بمن يعززون ثقته بنفسه أو يُشعلونه حماسًا مذهبيًا أو دينيًا أو قوميًّا، خاصةً أولئك الذين يجد الفرد فيهم أن الالتحاق بجمعهم الغفير يحقق له الراحة النفسية والأمان الجسدي، إضافةً إلى تحقيقه لأهم شرط عصري من خلال الانضمام إلى هذه الجماعة أو تلك، ألا وهو شرط المصلحة الشخصية. وطبعًا، يتم ذلك من دون التأكد من سلامة المسلك الذي اختاره، وربما تجده مسرنمًا بكل سلاسة مع ما يخاطب هواه، حتى وإن كانت الزحّافة تلك تأخذه رويدًا رويدًا صوب المهالك.
وفي الإطار المذكور، فلو لم يكن الماوردي، رحمه الله، يعي مخاطر الأهواء الشخصية للناس، لما أورد موضوع فضل العقل وذم الهوى، والهوى وعواقبه، في الباب الأول من كتابه "أدب الدنيا والدين". وبما أن أخطر ما في وسائل التواصل الاجتماعي هو تهافت الناس على ما يلائم أمزجتهم، وباعتبار أن النفس تنفر من جادة الحق، وتستسيغ المضي في الزقاق الموافق لولعها حتى ولو كان باطلاً، وتجفل من حضور الحقيقة، وتسترطب الصور التي ألفها عنها ولو كانت في أصلها مزيفة وباطلة، ولأن في الالتحاق اللاعقلاني بركب الشهوات الفردية أو الجماعية مخاطر جمة، لذا قال أحد الصحابة: "إن الهوى إلهٌ يُعبد من دون الله".
ولئلا يركب أي واحدٍ منا، في أي وقتٍ أو ظرفٍ كان، سفينة رغباته من دون الانتباه إلى احتمالية تعارضها الكلي مع رغبات الآخرين وأهدافهم، ومن ثم مسارعته في المشاركة الهيستيرية في حملة شعواء أو في حدثٍ لا يمت إلى الشرعية الأخلاقية أو الإنسانية بصلة، كما هو حال الذين هللوا ورقصوا مع القتلة فرحًا بإنهاء حياة المراهقة العراقية كوثر بشار الحسيجاوي، 15 عامًا، في منطقة النهروان شرقي العاصمة العراقية بغداد، في منتصف شهر أيار (مايو) 2026، بدعوى غسل العار، أو حال الذين تجمهروا في الشهر السابع من العام الجاري للفتك بصاحب محل خياطة في منطقة سلطان غازي بمدينة إسطنبول التركية، إثر الاستجابة الغريزية لفحوى شائعات ومزاعم تتهم الرجل بالاعتداء الجنسي على طفلة تبلغ من العمر 14 عامًا.
وصحيحٌ أن انهماك نخبة المجتمع بقضايا الشعب ومشكلاته اليومية فضيلة، إلا أن الانجراف مع أي حملة أو خبرٍ لا صحة له رذيلة لا تليق بالأكاديميين وأصحاب الشهادات العليا. ولئلا يشارك في المرات القادمة، كالعادة، فرقاء من المتعلمين والكتّاب والمثقفين في ترويج الأخبار المضللة، أو الانغماس كالدهماء في الحملات التشهيرية التي تطال الشخصيات العامة في وسائل التواصل الاجتماعي من دون أي تأكيدٍ أو تحرٍّ أو تريث، نعيد تذكيرهم بأن الهوى هو الذي يعمل على انزلاقهم كل مرة في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، وأن عليهم اتخاذ كل تدابير الحذر مما يُعرض أمامهم في هذا الفضاء المباح والمستباح. لذا، نختتم المقالة بقول العباس بن عبد المطلب: "إذا اشتبه عليك أمران، فدع أحبهما إليك، وخذ أثقلهما عليك".

